نتيجةً لكوارث تراكم الانحطاط، التي استوطنت في الوطن العربي في انعدام وجود مشروع، أو مخطط، أو نهج محدد واضح المعالم، تسعى الأمة العربية إلى العمل على تحقيقه، كما كانت طموحات مثقفيها عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد احتلال فلسطين، حيث أفرزت تلك الحقب ما بث في النفوس من حماس أدى إلى قيام أحزاب ومنظمات وجمعيات قادتها نخب من رجالات وشباب هذا الوطن، أجمعت كلها على بلورة فكرة وحدة الأمة العربية كسبيل لعبور مراحل التخلف، ليلتحق الإنسان العربي بالدول المتحضرة التي تنعم بالحرية والديمقراطية.

ولما كان ذلك يشكل خطورة على أطماع خارجية، وأصحاب نفوذ في الداخل، تكاتفت كل القوى الخارجية والداخلية لإجهاض أي محاولة تهدف إلى وحدة العرب، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه من التفرق والتشرذم والتمزق.

Ad

***

وكان البديل المطروح لتلك النخب طبقة من أنصاف المثقفين أوكلت إليهم قيادة كل مراكز النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأدى استفحال هذا التيار إلى وصول العرب إلى الحضيض الذي نحن عليه الآن.

فمن هم أنصاف المثقفين؟!

أنصاف المثقفين هم الذين لا يتميزون بمعرفة رصينة ومركزة أو جادة...!، ونتيجة لهيمنتهم على معظم المراكز القيادية في أغلب البلدان العربية بشكل متنامٍ، فقد شكلوا طبقة مسيطرة على كل مفاصل الدول، لذلك نزل مستوى التعليم إلى أدنى درجات الانحطاط، وقِس على ذلك بقية المرافق الحياتية الأخرى.

والغريب المخجل أنهم لا يدركون أنهم يتصرفون في إنجازاتهم على أنهم لا يتميزون بمعرفة أو ثقافة بأي مستوى، والنتائج واضحة للعيان، وكلها تكذب ما يزعمون أنهم يمتون إلى الثقافة الحقيقية بصلة -للأسف- الأغلبية منهم حملة مؤهلات عليا.

لينين عبّر عن هذا النوع من العينات بنقد لاذع، حيث هاجم الكثيرين منهم بسبب مزاعمهم العملية والنظرية كأنصاف مثقفين، وأنه شعر بخطر هؤلاء على المجتمع فحذر منهم.

وقديماً قال أرسطو إنهم يعملون بمفاهيم تدفعهم إلى التفكير بأنهم قادرون على الأشياء الكبيرة، وأنهم يبالغون في معرفتهم وقدراتهم، ولهذا فإن الواقع شيء، بينما هم شيء آخر!

***

موضوع كهذا يقتضي بحثاً توضع فيه النقاط على الحروف، وتُسمى الأشياء بأسمائها، بحيث يتسنى لي ذكر عدد كبير من حملة درجة الدكتوراه، بينما ممارساتهم تدل على أنهم أقل من أنصاف المثقفين في انتهازيتهم ووصوليتهم، بل وحقارتهم.

وهنا أجد ما يدفعني بحماس إلى الترحم على نموذج مثقف حقيقي شريف فارق الحياة في عمر العطاء... أترحم على الدكتور خلدون النقيب رحمه الله.