عيدكم مبارك وعساكم من عواده وتقبل الله طاعتكم.

انتهى شهر رمضان، الذي تحول وتغير مفهومه الحقيقي من شهر للعبادة والطاعة، وتنقية النفس من شوائبها، والارتقاء بالأحاسيس والمشاعر الروحانية، إلى أعلى مستويات التطهر والتقرب إلى الله لأجل الطاعة والمغفرة، تحول معنى الشهر الفضيل إلى أكبر سوق للمكاسب التجارية والكرنفالات الاحتفالية تحت اسم الاستقبالات "والغبقات والقرقيعان" أصبحت تقام على أرفع مستوى من ديكورات المنازل والموائد واستعراضات الأزياء والملابس التي ارتفعت واشتعلت أسواقها بالتنافس بين الأغرب والأفضل والأعظم، وكل ذلك يصب في جيوب تجار الاستهلاك الاقتصادي الذين هم أكبر المستفيدين بهذا الشهر الكريم، وحقيقي شهر رمضان باب رزق مهول لتجار المواد الغذائية وسلاسل الكافيهات والمطاعم، ومحلات الأزياء والملابس وكل مستلزمات "القرقيعان" الذي بات حالة استعراضية تنافسية كرنفالية.

Ad

رمضان أيضا بات باب رزق واسعا للمنتجات بكل أشكالها، من الإنتاج الفني المتمثل بتخمة فنية لا تحصى من مسلسلات يصعب إحصاؤها وتتبعها، مثلها مثل برامج المقالب والكاميرات الخفية، وغيرها التي باتت تفتح بيوت الفنانين والعاملين في هذا المجال.

الإنتاج الغزير المستعجل جعل مستوى أغلبية ما ينتج من مسلسلات وبرامج فنية ضعيف ومتكرر وهابط، ليس أكثر من سلق سريع لأفكار مستهلكة، ولهذا السبب كنت أتابع التلفزيون بشكل متقطع، ولم يعد لي أي ارتباط به، لكن في رمضان هذا العام تابعت مسلسلي جراند أوتيل وأفراح القبة، وهما من إنتاج رمضان العام الماضي، لكثرة ما كتب عنهما، وبالفعل المستوى الفني لهما عال جدا، خاصة "أفراح القبة" لأنه يمثل علامة في مسيرة إنتاج المسلسلات المصرية، منقول من رواية للأديب نجيب محفوظ لم أقرأها، لكن فكرتها رائعة خاصة في تقنياتها الفنية غير العادية، التي تحكي عن حياة ممثلين في مسرح، كتبها وحولها واحد من أعضاء المسرح إلى مسرحية تروي الواقع الحقيقي لحياة الممثلين فيه وبالأسماء الحقيقية لهم، الرائع في هذا العمل أنه حول الحياة الحقيقية إلى مسرحية، ثم نكتشف في نهاية العرض المسرحي أن حياة الممثلين الحقيقية ليست إلا مسرحية مكتوبة ضمن مسرحية، أي إننا كنا نشاهد عرضا مسرحيا ضمن عرض مسرحي آخر متداخل فيه، ومن أروع مشاهده كان مشهد إدخال مقرئ الميتم للمسرح للقيام بدور المأذون لتسجيل الطلاق بين بطلة العمل المسرحي وزوجها، وهم لا يعرفون بأمره، كما أنه لا يدري ما دوره، ويزداد الالتباس بالكواليس، حيث يقوم ممثل دور المأذون بالصلاة على الميت، ونكتشف أنه مسيحي، وهنا يختلط النص الإنجيلي بالقرآني، والواقع الحقيقي بالمسرحي بالفانتازي، والطقوس المسيحية مع المسلمة، والميت مع المولود في أداء درامي قمة في الإبداع التمثيلي، بات علامة تاريخية لمسلسل لن يُنسى.

المعروف عن أعمال نجيب محفوظ أنها تحكي وتنقل الواقع، فهل الواقع الفني بهذا السوء؟!

ومن الإنتاجات الحديثة تابعت مسلسل نيللي كريم "لأعلى سعر" ومسلسل "رمضان كريم"، الأول بسبب تميز نيللي كريم عبر المسلسلات السابقة، والثاني لأني توقعت أنه ينقل الأجواء الرمضانية، وكان بالفعل اختيارا موفقا، لأنه مسلسل سلس متماسك لآخر حلقاته بدون إسفاف أو عنف مبالغ فيه، نقل مشاعر الناس وردود أفعالهم الطبيعية في الحياة، ليس مثل ما نراه من مبالغات لا تصدق وليست حقيقية في بقية الأعمال التي كرست العنف والنذالة بشكل غير طبيعي لدى البشر، يشمل جميع أبطال العمل وليس الشرير الواحد، وبات الشر القاعدة، والخير والأخلاق هما الاستثناء، كما قدم المسلسل الأحياء المصرية الشعبية لأول مرة بدون جنس ومخدرات وصراخ الأسطوات، مسلسل عرض حقيقة وفطرة الناس الطبيعيين وليس مثل ما يُقدم ويُرسم ويسوق في الأفلام والمسلسلات التجارية التافهة.

أما مسلسل "لأعلى سعر" فهو تكريس للنذالة والسفالة لأعلى مستوى فيهما، من خلال شخصيات أبطال العمل كلهم بدون استثناء، اللهم إلا شخصية الأب التي قام بدورها الممثل العبقري الفذ نبيل الحلفاوي، الذي يستحق الأوسكار على هذا الدور السهل الممتنع، منحنا فيه متعة تمثيل لا تضاهى ولا تقارن بأي كان، بالفعل أثبت أن التمثيل متعة فنية خالصة ليس لها أدنى علاقة بالشكل أو بالشباب.