أول العمود:

Ad

هذا العيد مختلف تماما... فبيتنا الخليجي حزين.

***

هل التعصب والتطرف الفكري في الكويت نابع من طبيعة بيئتها أم أن عوامل استجدت وساهمت في تأجيج هذا السلوك؟ سؤال تبادر إلي ونحن نعيش في أجواء طائفية خطيرة وسيئة، بدأت تساهم في تشكيل عقول أكثر الناس ومن بينهم من نعتبرهم مثقفين!

لم يكن المجتمع الكويتي يوما ينحو نحو التشدد، ويشهد على ذلك التمدن والاهتمام بالثقافة والتعليم والميل إلى المدنية منذ عشرينيات القرن الماضي، حيث بدأت المطالبات بالمشاركة في الإدارة العامة عبر مجالس تشريعية وبلدية، وبالتتابع ظهور حراك ثقافي وتعليمي، وبروز نواد أدبية ومدارس نظامية للجنسين.

تلك كانت بواكير مظاهر هذا المجتمع الديناميكي المنفتح على تطورات بلدان العرب النهضوية، فلقد توج الكويتيون الأوائل إراداتهم في التئام أول مجلس تشريعي عام ١٩٦٣ بعد إقرار الدستور إلى أن حدثت الثورة ضد الشاه في إيران، ومجيء نظام ديني مذهبي على أعقابه عام ١٩٧٩ رفع شعارات معادية لدول المنطقة، استحث أو استعدى شعارات مذهبية مناقضة ولّدت حركة سلفية أرادت مواجهة هذا المد القادم من نظام إيراني جديد، ثم حدثت الحرب العراقية الإيرانية التي لم يغب عنها مفهوم الصراع المذهبي، والتي غطت سماء المنطقة بثقافة التطرف التي لا تزال تغذي دولا عديدة مثل البحرين واليمن والسعودية والكويت وامتدت إلى سورية ولبنان.

هذه الأجواء قتلت كل ما أرساه جيل الأوائل من قواعد البناء المدني في الكويت حينما كان المجتمع فتيا، وهنا يمكن القول إن بذور التطرف ليست متأصلة في المجتمع الكويتي، بل هي مستوردة من البيئة المحيطة ومن أحوال الدول الكبرى المحيطة بها، وهي إيران والعراق والسعودية من خلال سير العلاقات السياسية بينها على مر ٤ عقود فائتة ولا تزال.

معظم الأحداث الإرهابية، إن لم يكن جلها، التي كانت الكويت ساحة لها لم تكن صناعتها كويتية، فتفجير مسجد الصادق، وعمليات تنظيم أسود الجزيرة، والاعتداء على بعض الجنود الأميركيين، وأحداث ما قبل التسعينيات المتمثلة بخطف طائرة الجابرية وتفجير المنشآت النفطية، ومحاولة اغتيال أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد، وغيرها من الأحداث كانت في عمومها تتغذى من البيئة المضطربة المحيطة التي غرقت في ٣ حروب طاحنة في الخليج العربي، بدأت عام ١٩٨٠ وانتهت عسكريا لا سياسيا في ٢٠٠٣، لأن مفاعيلها على الأرض لا تزال تغذي التطرف والتشنج الاجتماعي الذي بدأ يظهر بشكل مشين في تصفية المواقف في قاعة عبدالله السالم.

المخيف هنا هو الغياب شبه التام لدور الدولة الإيجابي نحو استجلاء قيم المجتمع الكويتي التي تحدثنا عنها قبل الاستقلال وبعده بسنوات قليلة، فكان استخدام الجهاز الإداري بشكل ساهم في تقوية أطراف اجتماعية وطائفية ضد أخرى، وبحسب الأجواء التي كانت تسود الساحة الخليجية، واستغلال كل الوسائل من أجل تحييد دور مجالس الأمة في المحاسبة، فكانت تقوية بعض التيارات المتخلفة ضد التيار المدني وتنمية الصراعات الفكرية بين القوى السياسية، وكان مؤخرا استخدام أساليب جديدة ضمن سياق القبضة الأمنية التي أتت بإجراءات متشددة كسحب الجنسية وتشريع قوانين مكبلة للحريات بحجة تنظيم الإعلام!

في الفترة الحالية يمكن وصف ما يحدث بأنه ممارسة ممنهجة لتجريف كل ما كان يتصف به المجتمع الكويتي من تمدن وثقافة وتطور وبناء حقيقي للإنسان، وأن ما يعيشه الكويتيون اليوم لا يمتّ بصلة لما بدأوه في أواخر عشرينيات القرن الماضي وحتى انطلاق ثورة الخميني، وما تبعها من استقطاب طائفي حتى يومنا هذا. وما الحلول السائدة لمعالجة التطرف بتشكيل لجان الوسطية ومناصحة العائدين من "الجهاد" سوى مضيعة للوقت والمال، فالجهد الحقيقي هو إعادة وجه الكويت الحقيقي الذي خطف.