لم تشكّل الاعتبارات الجيوسياسية على الأرجح محور اهتمام مهندسي قطاع النفط والغاز الذين أطلقوا ثورة التصديع المائي، محولين الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للهيدروكربون في العالم، لكن تأثير ثورة التصديع الجيوسياسي جاء (لم أتعمد الصورة المجازية) أشبه بزلزال، فقد حطّمت هذه الثورة كل الافتراضات القديمة عن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحوّلت هذه المنطقة المتقلبة أساساً إلى قنبلة موقوتة.

في الماضي، كان التدخل العسكري والدبلوماسي الأميركي في الشرق الأوسط، وخصوصاً في منطقة الخليج العربي، يقيّم حصراً تقريباً من منظار الاعتماد الأميركي على النفط الأجنبي وتأثير التضخم في مجال الطاقة في الاقتصاد الأميركي، لكن هذا الوضع تبدل اليوم مع تراجع اعتماد الولايات المتحدة إلى حد كبير على نفط الشرق الأوسط، وعدم تسبب الصدامات الدبلوماسية الخطيرة في الخليج العربي، مثل الحصار الذي تتعرض له قطر، في حالة من الذعر في أسواق النفط.

Ad

في عام 2006، كانت واردات النفط الصافية تصل إلى 13 مليون برميل تقريباً يومياً، علماً أن نصفها كان يأتي من أعضاء من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ولكن في مارس من هذه السنة، بلغ مجموع الواردات الصافية 4.2 ملايين برميل مع تحوّل كندا إلى أكبر مورّد أجنبي للولايات المتحدة.

صحيح أن هذه الخطوة حررت السياسة الخارجية الأميركية بطرق عدة، إلا أنها أدت أيضاً إلى الحدّ من تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، باستثناء محادثات السلام الإسرائيلية- الفلسطينية التي بدأ صهر ترامب غاريد كوشنر لتوه العمل عليها. نتيجة لذلك، ما عادت التأثيرات القصيرة الأمد لما يحدث في الشرق الأوسط تُعتبر أخباراً ملحّة في الولايات المتحدة، ولا شك أن الإرهاب ما زال خطراً متنامياً في الولايات المتحدة، إلا أنه يختلف كل الاختلاف عن التهديد الوجودي الذي يشعر به الأوروبيون يومياً أو الذي أجج حصار قطر جزءاً منه.

بدأ الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط خلال عهد أوباما، الذي أخرج القوات الأميركية من العراق، وبعدما تقدت روسيا لملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة، داعمةً الأسد، ما عاد بإمكان الغرب سوى التحرك على الهامش في سورية، طالما أنه لا يرغب في المخاطرة والتسبب في صدام عسكري مع بوتين، أما إسقاط الولايات المتحدة أخيراً طائرة حربية سورية، فيشكل على الأرجح تحذيراً لن يتكرر وجهه الأميركيون للأسد، لا خطوة أولى تمهد لحربة بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا.

ويعزز تنامي التوتر بين الدول العربية دور روسيا كصانع قرار في المنطقة، إذ تتحالف موسكو مع السعودية في محاولة لرفع أسعار النفط، مع أن هذه المحاولة لم تلقَ النجاح حتى اليوم، ومع إيران لدعم الأسد، كذلك تتحالف مع قطر وإيران لتطوير حقول الغاز الضخمة التي يملكها هذان البلدان في البحر، فضلاً عن ذلك، بنى صندوق الثروة السيادية القطري شراكة مع بوتين بشرائه حصة في شركة روزنفت للنفط التي تملكها الدولة الروسية.

يأتي هذا في وقت ينشر ترامب الغافل عما يدور في الشرق الأوسط تغريدات مؤيدة لطرف ضد آخر، خالطاً على ما يبدو بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح شركاته في المنطقة... لذا يبدو أن بوتين تفوق عليهم جميعاً بتفكيره في خطوات عدة إلى الأمام.