هناك خدعة أيديولوجية ماكرة تستعين بها جماعات الحقيقة المطلقة في هيمنتها على المجتمعات؛ تقوم تلك الخدعة على التشدق بأن الناس في المجتمع تجمعهم ثقافة واحدة، وأسلوب معين في الحياة مما يجعل اختلافهم أقرب إلى الندرة، وإن أصابهم الشقاق فإن القيم الأساسية التي تستند إليها تلك الثقافة كفيلة بأن تذلل ذلك الشقاق وتذيب الخلافات بينهم.

هذه الخدعة المشوبة بالغموض والتي يزيدها الجنوح إلى الوجدان والغرائز غموضاً، تجعل من الحقوق التي من المفترض أن تدون كقوانين وأنظمة لضبط حركة الناس ذات أهمية متضائلة ولا يمكن الاعتداد بها، بل قابلة للتضحية بها بخفة متى ما تطلب الأمر ذلك. بداهة ينتمي هذا النوع من المجتمعات إلى عالم ماضوي تحفه الرومانطيقية والإنشاء.

Ad

فالمجتمعات الحديثة، وبخاصة الديمقراطية منها، لا تقوم على مبادئ التكافل والتضامن التي تجعل المجتمع أقرب ما يكون إلى الفرق الدينية في شغفها بالزواجر الأخلاقية والسلوكية المتزمتة، بل على التنوع الثقافي، واختلاف أساليب الحياة، وتعدد الرأي. فالناس في مجتمعات كهذه يجمعون على قيم سياسية عريضة، ولكنهم يحتفظون بحقهم في الاختلاف على المنابع الفلسفية والثقافية والدينية التي نهلت منها تلك القيم، فأبناء المجتمعات الحديثة يعدون تنوع الآراء وتباينها رصيداً حقيقياً للديمقراطية وقيمة مضافة لها، ولا ينظرون إليه على أنه من علاقات الخيانة، أو مؤشر على ضعف الوطنية.

إن حركة المجتمع التي تعتمد على ثراء وجهات النظر تصبح أكثر سلاسة في تخطي العقبات التي تعترض خط سيره، في حين يغدو التسامح أشبه ما يكون بالزيت الذي من شأنه جعل تروس المجتمع تتحرك بمرونة كبيرة، فمن دونه تتساكن في الفضاء الاجتماعي الفظاظة والجنوح للعدائية. فالتسامح قيمة كبرى تستقطرها إرادة الجميع حينما ينظر إلى الأفراد على اختلاف معتقداتهم، وتباين ثقافاتهم وتنوع أساليبهم في الحياة، على أنهم أنداد متساوون، طالما أن كلاً منهم يعتنق مبادئ سياسية عامة وإن اختلفت منطلقاته.

وفي الموازاة ينهض هذا النوع من المجتمعات على قيمة الثقة، وبالثقة هنا لا نومئ إلى تلك الشائعة المعنى، التي نظفر بها من احتكاكنا بأفراد آخرين ومن تجاربنا معهم، فهي قطعاً ليست تلك الثقة التي تولدها التجربة وتفترض قبلاً وجود علاقات من نوع ما مع الآخرين؛ فما نقصده بالثقة هنا تلك القيمة التي تنشأ عن الإيمان بأن الأفراد في المجتمع على اختلاف مذاهبهم وألوانهم وملابسهم وآرائهم يعتنقون مجموعة من الأفكار تمكنهم من العيش والعمل معاً لتحقيق أهداف كبرى. وبمعنى آخر فإن الثقة هنا تمدنا بها فكرة مجردة لا علاقة تحكمها التجربة.

وبوضوح لا يدانيه إلا وضوح القيم الإنسانية، فإن هذه الثقة التي تطرحها شجرة التجريب، تنمو على مؤسسات المجتمع، فالحكومة– تمثيلاً لا حصراً– يناط بها تطبيق القوانين وحركة الاقتصاد، وهي بذلك تحمل على كتفيها خلق بيئة اقتصادية بمقدور الأفراد فيها المغامرة بالعمل مع آخرين قد لا يعرفون عنهم أي شيء البتة طالما أنهم على يقين من أن النظام الحكومي سيبادر إلى معاقبة من لا يفي منهم بالتزاماته أو من يعمد إلى انتهاك القانون.

بيئة كهذه تصنع على الدوام فرص عمل، وفيها يوسد الأمر إلى أكثر الأفراد جدارة وكفاءة، فتسقط بذلك خيارات الطائفة والقبيلة والعائلة. وغني عن القول أن اشتداد عود هذه البيئة سيرتد على سلوك الحكومة نفسه ليحيله إلى سلوك بيروقراطي بالدرجة الأساس، حيث تفرض القوانين وتضمحل تدريجياً حاجة الأفراد إلى الاستعانة بالشبكات الاجتماعية القديمة واللوذ بالواسطة والمحسوبية والزبائنية لتحقيق أهدافهم.

أهمية تلك المؤسسات تكمن في كونها صمام الأمان للمجتمع، فسكاكين الحرب الأهلية تنتظر أعناق المجتمعات متى ما انهارت المؤسسات الحكومية، ولو أعدنا النظر في الحروب الأهلية التي أصابت الدول في السنوات المنصرمة لأدركنا أن مقدمتها كانت تتجسد في انهيار تلك المؤسسات، واصطفاف المجتمع في كيانات دينية، ومذهبية، وعرقية. وكائناً ما كان الأمر فإن تلك الثقة المجردة ترتكن بصورة مطلقة إلى مدى أهلية تلك المؤسسات بالثقة، وعما إن كانت ممارساتها وأسلوب عملها كفيلين بتشجيع الفرد على النظر إلى الآخرين بوصفهم جديرين بثقته.