توشك أوروبا أن تضع خطة تهدف الى اصلاح مواطن الخلل المالي في القارة، وفقاً لما يشير إليه اقتراح جديد قدمته اللجنة الأوروبية في الاتجاه الصحيح، وثمة آمال عريضة بأن يحقق الأهداف المرجوة بإخراج القارة من متاعبها المحتملة.

يقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ربما دفعا الى توحيد الأوروبيين وفتحا أمامهم الفرصة من أجل اصلاح مؤسسات القارة المختلفة وبقدر يفوق كل ماكان يحلم به أي رئيس أميركي مؤيد لأوروبا، أو أي رئيسة وزراء في بريطانيا في الماضي.

Ad

وتشير الورقة التي صدرت عن اللجنة الأوروبية في الحادي والثلاثين من شهر مايو الماضي تحت عنوان «انعكاسات حول تعميق الاتحاد الاقتصادي والنقدي» الى الطريقة اللازمة من أجل صفقة حزمة يمكن أن تكون مقبولة من جانب دول منطقة اليورو في الشمال والجنوب ولكن لا تزال هذه الخطة تفتقر الى البعض من العناصر الرئيسية على أي حال.

ويتمثل الجانب المشجع في هذا المسار في أن اللجنة الأوروربية وضعت جدولاً زمنياً مشدداً من أجل اتمام عملية الاتحاد المصرفي اضافة الى وضع خطة تأمين ايداع مشتركة وصندوق أوروبي يكون جاهزاً للعمل بحلول عام 2019، وينطوي هذان العنصران على أهمية كبيرة اذا كانت الغاية هي وضع حد لتشكيل البنوك خطراً وجودياً في الدول التي تعمل فيها.

الحلقة الشيطانية

ولكن العمل من أجل تفادي «الحلقة الشيطانية» بين تلك البنوك والدول يتطلب قطع الرابط الآخر، من افلاس الدولة الى فشل البنوك، وفي الوقت الراهن، على أي حال، تعتبر محافظ قروض البنوك أكثر تركيزاً على الديون السيادية في البلدان التي تعمل فيها وبقدر يفوق ما كان الحال عليه قبل الأزمة المالية، كما أن من الأهمية بمكان العمل على التأكد من أن البنوك تقوم بتنويع محافظها بحيث تتمكن من مقاومة حدوث انهيار حاد في القدرة على تسديد مستحقات حكومات الدول التي تعمل فيها.

ومن أجل انجاز هذا الهدف تقترح اللجنة الأوروبية تأسيس أصول آمنة جديدة تتمثل في توفير «أسهم سيادية مدعومة بسندات» كما أن هذه اللجنة تجادل في أن هذه الأسهم المقترحة الجديدة يمكنها من خلال احداث تغير في التعامل التنظيمي المتعلق بالسندات السيادية أن تخفض قابلية التعرض لخطر النظام المالي، كما أن نقص قوة ورسوخ التصميم يمكن أن يفضي، على أي حال، الى جعل هذا الهدف موضع شك.

ومن جهة اخرى فقد اقترحت مجموعة من الاقتصاديين برئاسة ماركوس برونرمير – والتي كنت أنا مشاركاً فيها – تصميماً ثنائي الطرف من أجل وضع مثل هذه الأسهم المدعومة بسندات سيادية في سنة 2011، يومها أطلقنا على هذه الفكرة اسم «السندات الأوروبية الآمنة أو اي اس بيز» وقد تمثلت في تشكيل وكالة ديون أوروبية تقوم بشراء سندات سيادية من منطقة اليورو واصدار نوعين من الأسهم – الأول على شكل سندات أوروبية آمنة تضمن تسديد الدفعات المطلوبة بصورة آمنة، بحسب تقديراتنا وتوقعاتنا، حتى في حال التخلف عن السداد من قبل اليونان والبرتغال وايرلندا وخفض ديون ايطاليا واسبانيا، فيما تمثل النوع الثاني في اصدار شريحة أصغر مدعومة بمحافظ سندات سيادية، وهي خطوة أمان تنطوي على خطر لأنها تشتمل على استيعاب خسائر النوع الأول.

وتجدر الاشارة الى أن مثل هذا النظام الثنائي الطرف سوف يجعل النظام المالي في أوروبا أكثر أمناً نظراً لأن البنوك سوف تحتفظ بالسندات الأوروبية الآمنة بدلاً من ديون حكوماتها، ومن شأن هذا تبديد عوامل الهلع إضافة إلى ضمان أن أي توجه نحو ملاذ آمن سوف يفيد كل الدول الأعضاء في منطقة اليورو، وليس ألمانيا فقط، ويتمثل الجانب الأكثر أهمية في كون هذه العملية سوف تتم من دون طرح مسؤولية قانونية مشتركة، وبالتالي فإنها سوف تزيد من قابلية حياتها على الصعيد السياسي.

خطوة إيجابية

وتجدر الإشارة إلى أنه في عالم المال والعمليات المصرفية تعتبر هذه الخطوة ايجابية على الرغم من البعض من الغموض الذي يكتنفها.

وتترك هذه الصفقة الكثير مما يتطلب القيام به وخاصة في ما يتعلق بمعالجة الفشل السياسي والاقتصادي في السياسة المالية واتفاق استقرار النمو، وكان هذا الفشل في صلب الضعف المتصور في المشروع الأوروبي خلال السنوات الست الماضية، وقد استمرت الديون في الزيادة لتضاعف تداعيات السياسة المالية، وفي الآونة الأخيرة أصبح اتفاق استقرار النمو نفسه غير ذي صلة، كما تبين في الغرامة التي فرضت على البرتغال وإسبانيا.

وبغية علاج هذا الفشل كان الشيء الوحيد الذي اقترحت اللجنة الأوروبية القيام به بحلول سنة 2020 هو تبسيط اجراءات اتفاق استقرار النمو، ولا شيء غير ذلك.

وكان يتعين على اللجنة الأوروبية بدلاً من اقتراح فكرة التبسيط هذه أن تقترح التخلي عن خطة اتفاق استقرار النمو، وسوف يكون من المنطقي من الوجهة الاقتصادية أن يتم اقتراح تأجيل السياسات المالية في الدول الأعضاء من أجل التصدي للسياسة النقدية التقليدية التي تتطلبها العملة الواحدة. ومن الحتمي من الوجهة السياسية أيضاً انهاء اتفاق استقرار النمو نظراً لأنه يشتمل على دور زائد وعقيم للجنة الأوروبية يتمثل في الموافقة على الميزانية الوطنية، ونتيجة لذلك تصبح اللجنة – وكذلك أوروبا – غير شعبية في الجنوب والشمال.

ومن أجل استبدال اتفاق استقرار النمو توجد حاجة الى جهاز جديد غير مركزي للانضباط، وقد طور اقتصاديون من أمثال جيرومين زتلمير ومحامون من أمثال لي بوخهيت حلاً خلال العقد الماضي يشتمل على اجراء إفلاس سيادي داخل منطقة اليورو يسمح باعادة التفاوض حول الديون السيادية مع الدائنين الخاصين. ومن شأن مثل هذه الآلية اعادة طرح انضباط السوق في الدول الأعضاء والسماح بالمرونة الضرورية في السياسة المالية من دون قواعد سخيفة، اضافة الى جعل الوعد بعدم حدوث عملية انقاذ مسألة موثوقة يعول عليها. وبمجرد تطبيق خطة السندات الأوروبية الآمنة والقرار الأوروبي وصناديق التأمين سوف يكون النظام المالي قوياً بما يكفي من أجل جعل اجراء الافلاس موثوقاً وقابلا للتصديق.

وأخيراً، لم يكن هناك حتى الآن أي استقرار أو عنصر مشاطرة المخاطر في الميزانية الأوروبية، وتشير اللجنة الأوروبية الى «قرار حول التصميم والاستعداد للتنفيذ وبداية العمليات» حول «أداء استقرار مركزي» بالنسبة الى الفترة ما بين 2020 و2025 وخطة حماية الاستثمارات وإعادة التأمين بشأن صندوق البطالة، الذي سوف يدعم خطط تأمين البطالة في الدول الأعضاء.

هنا اتسمت أعمال اللجنة الأوروبية بالكثير من التكنوقراطية والخوف، ويتعين على الصفقة الحالية أن تشتمل على جدول زمني من أجل تنفيذ ميزانية منطقة اليورو مع تأمين حقيقي للبطالة الأوروبية بحسب قوانين القارة وبصورة تعتمد على مبادئ الأمن المرنة، وسوف تجعل مثل هذه الخطة التغييرات الهيكلية ممكنة في الدول الأعضاء، كما يتعين أن يتم تمويل مثل هذا النظام عن طريق ضرائب أوروبية بسيطة على الشركات.

وتجدر الاشارة الى أن اقتراح اللجنة الأوروبية يعتبر طموحاً وملائماً في ما يتعلق بالجوانب المصرفية والمالية، ولكنه يقصر عن اعطاء المواطنين الأوروبيين القارة التي يمكن أن تنال اعجابهم ومحبتهم، وتشكل البطالة الفارق الأكبر في حياة المواطنين.

لقد منح القدر أوروبا فرصة فريدة لترتيب بيتها الداخلي وإذا فشلنا في انتهاز هذه الفرصة فسترتفع الشعبوية في أوروبا بصورة حتمية، وسوف يكون من المحزن جداً تخيل ما سوف يعقب ذلك.