خذ نفساً عميقاً، فطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزئبقية المتقلبة قد تعني أنه سوف يغير موقفه من سياسة المناخ مرة ثانية. أو – خذ نفساً عميقاً آخر – فقد لا يفعل ذلك.

في صبيحة الحادي والثلاثين من شهر مايو الماضي انطلقت أجراس الإنذار في الأوساط المتعددة في أعقاب صدور تقارير تحدثت عن أن ترامب كان على وشك تحقيق وعده الذي طرحه إبان حملته الانتخابية بالانسحاب من اتفاقية باريس التاريخية التي وقعتها 195 دولة، والتي هدفت الى خفض انبعاثات غازات بيوت الدفيئة العالمية.

Ad

وقبل بضعة أسابيع فقط، أشار مطلعون في البيت الأبيض الى أن وجهة نظر إيفانكا ابنة ترامب المؤيدة لباريس قد تفضي الى تغير. لكنهم كانوا على خطأ. وتعتبر العواقب المحتملة لتخلي واشنطن عن اتفاقية المناخ خطيرة ليس فقط بالنسبة الى الكوكب، بل الى الولايات المتحدة أيضاً، وتنافسيتها الاقتصادية وابتكاراتها التقنية وقيادتها للعالم في القرن الحادي والعشرين.

تمزق في السياسة

انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس هو تمزق في السياسة وابتعاد دراماتيكي عن سجل الإدارات الأميركية الأربع الأخيرة الجمهورية والديمقراطية. وقد حافظ الرؤساء جورج بوش الأب والابن وبيل كلينتون وباراك أوباما على خط متساوق جدا إزاء سياسات المناخ الدولية. وكانت الحال على النحو التالي: واشنطن لن توافق على أي اتفاقية دولية تستثني الدول الفقيرة من مضمون خفض انبعاثات الكربون. كان الاحتباس الحراري مشكلة عالمية، ويتعين على كل طرف لعب دور من نوع ما في الحل.

واستهجنت الدول النامية ذلك، وكانت شكاوى الصين والهند الأكثر شدة – وكانت هذه الدول قد تأخرت في جني فوائد إحراق الوقود الأحفوري الذي أسهم في إثراء التجارة والصناعة اللتين أغنتا دول الغرب واليابان. ولم تكن مستعدة لإضاعة فرصة لإخراج المليارات من المواطنين من الفقر بسبب مشكلة نجمت عن قرنين من هيمنة الدول الصناعية.

وقد قسمت محاربة المناخ الدول الغنية والفقيرة طوال ربع قرن من الزمن الى أن دفعت الأدلة ومطالبات علماء المناخ في نهاية المطاف الولايات المتحدة والصين الى التعاون وقيادة العالم الى إطار عمل من أجل القيام بعمل دولي.

وفي شهر ديسمبر من عام 2015 وصلت المفاوضات الى توافق رحب به الأميركيون ومعهم كل دول الأرض تقريبا (باستثناء نيكاراغوا وسورية) في ظل السلطة السياسية والمعنوية للولايات المتحدة.

وتظل الاتفاقية تسوية غامضة وتقدر مجموعة البحث كلايمت أكشن تراكر أنه حتى اذا تمكنت كل الدول من تنفيذ أهدافها المحددة سيستمر ارتفاع درجة حرارة العالم بمعدل 2.8 (أو 5 درجات فهرنهايت) بحلول عام 2100، وهو مستوى يزيد كثيرا عن الحد البالغ 2 درجة مئوية الذي كان صناع السياسة ينشدونه منذ زمن بعيد.

ولكن من دون أي تغيير في السياسات الحالية ققد يتجه العالم نحو حوالي 3.6 درجة مئوية من الاحتباس الحراري – وهو حال يمكن أن يتحدى وجود وبقاء معظم العصرية، فضلا عن الدمار الذي سيلحق بسواحل كل قارة. وبحسب أحدث التقديرات من سنة 2015 أنتجت الولايات المتحدة 14 في المئة من انبعاثات بيوت الدفيئة في العالم، وكانت حصة الصين 29 في المئة.

ثغرات باريس

وعلى الرغم من ثغرات باريس فإن مجتمع الدول التي تلاقت من أجل الاتفاقية أعطى الصناعات في شتى أنحاء العالم إشارة رقيقة بأن الوقت حان للتخلص من أخطار القرنين التاسع عشر والعشرين من أنظمة الطاقة والزراعة – إذا أردنا أن يكون المستقبل مزدهرا ومستداما.

وذلك ما كانت شركات عديدة تقوم به. وفي حقيقة الأمر فإن صناعة الطاقة العالمية – التي اشتهرت بميلها الى التخطيط لعقود طويلة ومقاومتها للتغيير – قد أصبحت واحدة من أبرع وأسرع الصناعات وأكثرها ابتكارا. وتصدرت الشركات الأميركية هذا التحول. ويقول غاري يوهي، وهو بروفيسور في دراسات الاقتصاد والبيئة بجامعة ويسليان «بالنسبة الى العديد من الشركات في الولايات المتحدة، كانت الفكرة جلية وتقول إن هذا التغير في المناخ وانبعاثات الكربون يمثلان مشكلة مهمة». وتؤيد شركتا اكسون موبيل وكونوكو فيليبس اتفاقية المناخ.

والولايات المتحدة هي أكبر دولة في العالم منتجة للغاز الطبيعي الأكثر نظافة من الفحم والنفط، وتنشط لبناء محطات تصدير لنقل إنتاج التكسير الى الأسواق الخارجية.

ويتوقع أن تكون الطاقة الشمسية تقنية الكهرباء الأقل تكلفة في معظم بلدان العالم بحلول عام 2030، كما أن تكلفة مزارع الرياح ستهبط بنسبة 40 في المئة إضافية بحلول سنة 2040، بحسب «بلومبرغ نيو إنرجي فاينانس». وذلك كله جزء مما قد يصبح الفرصة الأكبر لتحقيق الثروة في القرن الحادي والعشرين.

وكان قرار ترامب بالانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ هدية من الولايات المتحدة الى بقية دول العالم. وسيسهم هذا القرار في تمكين وتشجيع الصين وأوروبا والهند وكل جهة أخرى فعليا على التركيز على هذه التقنيات والأسواق المربحة بصورة متزايدة.

الخاسر اقتصادياً

وقد خلق التقدم التقني خاسرا اقتصاديا واضحا تمثل في صناعة الفحم التي ركز ترامب عليها في حملاته الانتخابية، والتي تخلت عن ريادتها في إنتاج الطاقة الأميركية لمصلحة الغاز الطبيعي.

ولن تتم استعادة هيمنة الفحم من خلال انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، وببساطة لا يبدو أن الأسواق تسعى وراء الفحم كما كانت الحال في السابق. وقد بلغ إنتاج الفحم العالمي ذروته في سنة 2013.

ويقول البروفيسور يوهي «تمكنت الصين من تلبية أهدافها في اتفاقية باريس عبر إغلاق المصانع التي تعمل بطاقة الفحم». وقد دفع تلوث الهواء صناع السياسة في الصين الى إيقاف أو خفض انتاج الفحم بنقطة مئوية في الفترة ما بين سنة 2013 و2016. كما أن الجهات التنظيمية في ذلك البلد ألغت أكثر من مئة من خطط بناء مصانع تعمل بالفحم في شهر يناير الماضي.

ويقول يوهي إن الصينيين «سيتركون الكثير من الفحم في باطن الأرض».

وحتى الهند – حيث يعيش حوالي 250 مليون نسمة من دون كهرباء – ألغت في الشهر الماضي خططا لمنشآت فحم بقوة 14 غيغاواط في طريقها الى تحقيق هدفها في سنة 2022 من 100 غيغاواط من الطاقة الشمسية. وقال وزير الطاقة الهندي بيوش غويال في العام الماضي «أظن أن مصنعاً جديداً للفحم سيقدم لك طاقة أكثر تكلفة من مصنع الطاقة الشمسية».

التعاون الصيني - الأوروبي

تعهدت الصين وأوروبا بإقامة تعاون أوثق في ميدان التجارة، وأشارتا الى أن الطاقة النظيفة تشكل «الدعامة الرئيسة» في هذا الصدد. وستتمثل المشكلة الأكبر بالنسبة الى الشركات الأميركية – التي سوف تحقق فائدة للشركات في الصين ودول أخرى – في تجاوز تدفقات الأموال والبنية التحتية المتعلقة بالطاقة المتجددة للولايات المتحدة وخلق الوظائف التي وعد ترامب بها الشعب الأميركي. وقد وظفت الصين في سنة 2016 مليوني شخص في وظائف تتعلق بالطاقة الشمسية، وهو ما يصل الى حوالي ثلثي إجمالي العدد في العالم وأكثر من 8 مرات العدد في الولايات المتحدة، بحسب وكالة الطاقة المتجددة الدولية.

وفي حقيقة الأمر فإن الصين – وهي القوة الاقتصادية التالية الأكبر - سوف تتبوأ الدور القيادي للولايات المتحدة في إصلاح المناخ إذا انسحبت الأخيرة من اتفاقية باريس.

وفيما كان قادة بكين يعتقدون في الماضي أن الاحتباس الحراري العالمي مجرد خدعة قال الرئيس الصيني في مؤتمر دافوس هذه السنة إن «من المهم حماية البيئة فيما نسعى الى تقدم اقتصادي واجتماعي، وذلك بغية تحقيق انسجام بين الإنسان والطبيعة وبينه وبين المجتمع».

خياران أمام ترامب من أجل الانسحاب من اتفاقية المناخ. ويبدو أنه قرر المضي بخروج بطيء الوتيرة يمكن أن يستمر لـ3 سنوات ونصف السنة. وستضمن هذه الفترة على الأقل احتفاظ الولايات المتحدة بمقعد في طاولة المفاوضات. كما كان في وسع ترامب عمل شيء جذري بقدر أكبر، وهو الانسحاب من معاهدة الأمم المتحدة حول تغير المناخ لعام 1992، وهي خطوة يطالب بها النشطاء المحافظون، ويمكن أن تدخل حيز التنفيذ على الفور.