العلم أمام فتح كبير بقوة زلزال هائل، سيقلب طاولة المشاعر، فقد أصبح العلم قاب قوسين أو أدنى من الإجابة عن كل أسئلة الحب التي أثارت حيرتنا منذ الخلق، وأشعلت إجاباتها الظنية مخيلتنا طوال العصور الماضية، وحفزتنا على الإبداع في الفن والأدب ومجالات أخرى في الحياة.

لن يصبح الحب حالة شعورية يصعب علينا تفسيرها، ولن يكون الحب بعد أن يكتمل هذا الكشف أعمى، وستسقط مفاهيم كثيرة ومقولات عن الحب أسسناها على خرافات مصدرها جهلنا بما يسمى الحب، وستصبح جملة مثل "نحن لا نختار من نحب" مثيرة للسخرية، بل إن الصدمة الكبرى التي سيفجرها العلم أن العقل والقلب ليسا أبداً على خلاف في اختيار من نحب، بل على العكس تماما، فالدماغ هو المحرك الأساسي للحالة الشعورية، ونحن بادعائنا أننا واقعون تحت مشيئة مشاعرنا بعيدا عن سلطة أدمغتنا لسنا إلا كمثل مسافر صغير مندس بين حقائب المسافرين في سفينة، مدعيا أن له الفضل في إنجاح الرحلة، من غير أن يعترف بوجود تلك التقنيات الهندسية الآلية الهائلة التي تقبع تحت قدميه.

Ad

كما يقول ديفيد إيجمان مؤلف كتاب "المتخفي"، لا حب ينتج عن حالة شعورية بحتة، وإنما هو نابع من عمل دماغي معقد قد لا ندرك كيفيته، ولا نتمكن من إيجاد الرابط الخفي بين أوامر الدماغ وانصياع الشعور لتلك الأوامر، فالحب من أول نظرة مثلا ليس نتيجة ضربة شمس أو مس هوى، بل نتيجة برمجة دماغية بالغة التعقيد نحن نجهلها.

ففي تجربة أجريت لعدد من الرجال طُلب منهم أن يرتبوا صورا مختلفة لنساء حسب درجات جمالهن، دون أن يعرفوا أن أعين النساء في نصف الصور موسعة الحدقات بمقدار ضئيل جدا، بينما أعين النساء في النصف الآخر ليست كذلك، أظهرت التجربة أن الرجال كانوا أكثر ميلا للنساء ذوات الحدقات الموسعة، دون أن يلاحظوا أنهن كذلك، ولم يعرفوا الأسباب التي جعلتهم يتخذون تلك القرارات، هم شعروا ببساطة أنهم أكثر انجذابا لتلك الصور دون الأخرى.

وتخلص نتائج التجربة إلى أن الدماغ الذي لا يمكن معرفة آلية عمله يعرف أن اتساع حدقتي عيني المرأة يرتبط بالإثارة الجنسية، أي إن أدمغة هؤلاء الرجال الذين خضعوا للتجربة تعرف ذلك، بينما هم لا يعرفون، وهم ربما لا يعرفون أيضا أن مفاهيمهم للجمال والشعور بالانجذاب ليست وليدة اللحظة، وإنما نتيجة برمجة دماغية تم انتخابها خلال ملايين السنين ومئات الآلاف من الأجيال المتعاقبة، لترسخ في مكان ما في دائرة الدماغ، هذا بعض ما جاء في الكتاب المذكور، مما يعني أننا نختار من نحب من خلال أدمغتنا لا من خلال قلوبنا، كما كنا نظن دائما، فقلوبنا ليست إلا منفذة لأوامر أدمغتنا وخاضعة لها، أي إن بلاءنا في الحب بسبب أدمغتنا، أما قلوبنا فبريئة، وبالتالي يقفز السؤال المشروع، وهل سيُسقط هذا الكشف كل الإبداع الناتج عن جهلنا به؟! وهل سيتمكن العلم مستقبلا من تعديل عمل الدماغ، لنتمكن من اختيار أحبة على مقاس راحة قلوبنا؟!