ترتكز الشرطة السرية الوطنية على صفقة كبيرة غير معلنة عموماً بين المواطنين والدولة، فيسمح المواطنون للوكالات الحكومية، بما فيها الشرطة، بالقيام بأمور سرية وخطيرة شرط أن تستند إلى أسباب نعتبرها ضرورية، وكما قال الفيلسوف باروخ سبينوزا في القرن السابع عشر، علينا أن نمنح الدولة السلطة كي نصبح أحراراً.

لكن تسريب أسرار حساسة يؤدي إلى خلل في هذه الصفقة، لهذا السبب نعتبر أن وكالات الأمن الأميركية، التي سرّبت أولاً اسم المشتبه فيه في اعتداء مانشستر المريع ومن ثم بعض التفاصيل عن حطام جمعته الشرطة، أقدمت على عمل بالغ الخطورة. فلم تقدم أي مساعدة إلا لمن يطمحون في تنفيذ تفجيرات في المستقبل، كذلك زادت من استياء المحزونين، ولم تساهم في تقدّم التحقيق في عمليات القتل هذه أو تحُل دون تكرارها في المستقبل. بكلمات أخرى لم تستغل الوكالات صلاحياتها لتروّج للحريات بل لتعرضها لخطر أكبر، وما يزيد الطين بلة أن مَن أقدم على ذلك حليف، وليس أي حليف بل الولايات المتحدة بحد ذاتها.

Ad

تتعرض الصفقة الأمنية الضمنية في بريطانيا اليوم لتحدٍّ كبير بسبب ترامب، الذي لم يفتح أعين الشعب البريطاني على احتمال أن يسيء التحالف الأميركي-الإنكليزي إلى مصالح بريطانيا فقط، بل فتح أيضاً أعين الدولة البريطانية على احتمالٍ اعتُبر سابقاً مستحيلاً، احتمال ألا يدوم هذا التحالف إلى الأبد. ففي الأشهر الماضية بات من السهل نسبياً العثور على دبلوماسيين بارزين، ومسؤولين أمنيين، ورجال شرطة، وسياسيين يعربون عن قلقهم من الرئيس الأميركي، ويعبرون علناً عن استيائهم من تلك المعمعة مع روسيا، ومقاربة ترامب حيال كوريا الشمالية، وحتى الأسرار المتشاطرة.

لا شك أن تحدُّث الأوروبيين في القارة بهذه الطريقة يشكّل بحد ذاته مفاجأة كبيرة، ويُعتبر سماع كلام مماثل في الحكومة البريطانية تطوراً غير مسبوق، حتى في زمن المعاناة بسبب العراق، ومن المؤكد أن هذه إشارة إلى خطب كبير في السلسلة غير القابلة للكسر، حسبما يُفترض، بين السياسات الخارجية، والدفاعية، والأمنية التي تبقي البلد أو القارة آمنة.

نتيجة لذلك تُعتبر قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل نقطة محورية، ففي أوروبا ساد الأمل في أن ينهي ترامب أشهراً من التصريحات المتقلبة بشأن الناتو ويجدد رسمياً التزامه بهذا التحالف، لكن الوقائع تُظهر أن العلاقة عبر الأطلسي، التي دامت من الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، ما عادت أمراً مسلماً به كما في السابق. لا يعني ذلك أن إنقاذها مستحيل، فقد يبقى ترامب في سدة الرئاسة حتى عام 2025، ونتيجة لذلك وعلى غرار القارة الأوروبية، ينبغي لبريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي أن تعيد النظر في أولويات السياسة الخارجية، ومصالحها، وتحالفاتها، وعملية تشاطر الأعباء العسكرية والاستخباراتية على حد سواء.

على تيريزا ماي أن تفكّر بجدية وعمق في حاجات بريطانيا في مجالات السياسة الخارجية، والدفاع، والأمن، والاستخبارات مع خروجها من الاتحاد الأوروبي في وقت يبدو فيه التحالف مع الولايات المتحدة أكثر اضطراباً، لكننا لم نشهد حتى اليوم أي إشارة إلى عملية تفكير مماثلة. ثمة مسائل تتطلب المزيد من التخطيط وأولويات أكثر وضوحاً من التفاهات الراهنة عن "بريطانيا العالمية" والتزام المملكة المتحدة بالردع النووي وهدف إنفاق الناتو البالغ 2% من إجمالي الناتج القومي.

قد تُضطر بريطانيا، بصفتها دولة لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، إلى تعلّم معانقة أوروبا بقوة أكبر مما استطاعت في أي مرحلة سابقة حين كانت عضواً في الاتحاد الأوروبي، لكن القيام بذلك مع حلف ناتو غير مستقر بعد عهد ترامب أو مع قدرة الاتحاد الأوروبي الدفاعية المعزَّزة أو مع كليهما ما عاد مسألة سيادة بالنسبة إلى بريطانيا كما كان حين كانت دولة عضواً. ترتبط هذه المسألة اليوم بالفاعلية والتطبيق العملي، والممارسة الفضلى، والتعاون العقلاني، وتمتد هذه المسألة لتشمل الاقتصاد أيضاً.

عندما أعلنت أنجيلا ميركل قبل أيام أن ألمانيا تقف مع بريطانيا جنباً إلى جنب في مكافحة الإرهاب، كانت صادقة، لكنها تفوهت بحقيقة أعمق بالنسبة إلى بريطانيا أيضاً.

*مارتن كيتل

* "الغارديان"