Ad

يملك النهام والفنان سلمان العماري حساً فنياً مرهفاً، يمزج بين انتقاء الكلمة المغناة إضافة إلى القدرة على أداء اللون الغنائي الأصيل، فذائقته الفنية تجنح نحو التراث الغنائي الكويتي، فينتقي من فن الصوت أجمله، ومن الغناء القديم أعرقه، فيدندن على آلة العود أصعب الألحان، لأنه يعشق التحدي، فلا يثنيه عن مراده أي عقبات، معتمداً على قوة إصراره وصلابة عزيمته.

ويمد العماري الوصل بين جيل الرواد والجيل الحالي من خلال أداء أغنيات النجوم الكبار في الكويت والخليج، متمسكاً بالتراث الفني لهذه المنطقة رافضاً تقديم أعمال فنية معاصرة، إذ يرى أن إعادة تقديم الأغنيات القديمة بشكل جديد يحافظ على خصوصية هذا الإرث الفني واجب وعرفان بالجميل للذين نهل من فنونهم وطريقة أدائهم.

في الحلقة الثانية من حواره مع "الجريدة" يبث الفنان سلمان العماري فحوى شكواه من الإعلام الكويتي الذي يهمل الفنون الشعبية والتراث الكويتي، ويتعامل مع محبي التراث والعاملين فيه بطريقة غير لائقة، مؤكداً أن من لا يعتز بماضيه يقترف جريمة كبيرة لا تغتفر، فمن ليس له ماض لا حاضر له، ويأسف لعدم توثيق هذا الفن البحري بالصوت والصورة.

ويشعر العماري بالحسرة لما يجري من عبث وسيطرة البحث عن المال بأي وسيلة فبعض المنتجين لا يجدون أي غضاضة في ذلك، وإذا كانت المتاجرة بالوطن ستعود عليهم بالربح المالي فهم سيسلكون طريقها، رافضاً أن يتحول الفنان إلى تاجر... وفيما يلي التفاصيل:

● تنويع الأداء في الأغنية الواحدة بحيث تغني كل كوبليه بطريقة، ألا تعتقد أنها محاولة محفوفة بالمخاطر؟

- ما أشرت إليه صحيح، إن حدث اختلال ما في الأجواء العامة للأغنية، لكن الأداء المتنوع هو دليل التمكن، فالمغني الذي لا يمتلك هذه الميزة ربما يجلب له الغناء وفقاً لهذه الطريقة وبالاً وخيبة أمل، والأنكى من ذلك عدم تقبل الجمهور لها، وحينما أقدمت على هذه الخطوة كنت أظن أنني أقدم شيئاً جديداً ومبتكراً، لكني اكتشفت لاحقاً أن الفنانين الرواد قد قدموا هذا الشكل الغنائي في إحدى جلساتهم، وحينها شعرت بالفرح الممزوج بالحزن، فحزني يرجع إلى أنني ظننت أنه ابتكار خاص بي بينما فرحي يأتي بسبب مشاطرتي لفكرة هؤلاء الفنانين الكبار، لاسيما أني لم أكن أعلم بهذا الأمر.

● هذا المأزق ربما بسبب ندرة التوثيق الجيد لهذه النوعية من الأعمال؟

- صحيح أن قلة التوثيق وعدم تداول هذا الأعمال بشكل كبير يساهمان في عدم اطلاعنا على الكثير من الأمور والاجتهادات الجميلة، وتهدر على المتلقي فرصة الاستمتاع بما كان يقدمه هؤلاء الكبار، ولا أذيع سراً إذا قلت أن مشاطرتي لهؤلاء الكبار بالفكرة ذاتها مع إجراء بعض التطوير، أني أسير في الاتجاه الصحيح في مجالي وبدأت أطوّر نفسي فنياً، وربما اطلق عليها مرحلة نضج، لأني أهدف إلى إيصال الفن الشعبي بالطريقة الصحيحة للمستمع، علما بأن الفن الشعبي سيكون أجمل حينما يحضر المتلقي إلى الجلسات ولا يكتفي بالسماع عبر الكاسيت أو الـ"سي دي"، لأن للجلسات الشعبية رونقها وألقها، وكأنك تشاهد خلية نحل تعمل بجد واجتهاد والمجاميع تحمل الفرح، فهناك العازفون والإيقاعيون والطيران والشربكة وكلها محفزة للفرح برغم أن الغناء حزين جداً، وما يؤلمني أن الإعلام الكويتي لا يركز على هذه الفنون الشعبية والتراث الكويتي ويتعامل مع محبي التراث والعاملين فيه بطريقة غير لائقة.

● لماذا أصدرت حكماً كهذا، هل ثمة موقف تعرضت له؟

- للأسف، التعامل مع فناني التراث الشعبي يتم بطريقة غير مقبولة، وربما يبدو الأمر من وحي الخيال، لكن هذا ما حدث أثناء إحدى دورات مهرجان هلا فبراير، إذ استدعي عدد من الفنانين الشعبيين في اليوم ذاته لإقامة الحفل، في حين اكتشفنا أن هذا الاستعانة كانت لهدف إجراء تجربة المايكروفون وهندسة الصوت، انه أمر يحزّ في النفس ويشعل فتيل المرارة، لاسيما أنك تقدم تراث بلدك، ولا أخفي عليك أنني شعرت بألم كبير بسبب هذه الحادثة، لأنني كنت أظن أن الهدف من الحفل توثيق الفن الشعبي، لكن اكتشفت غير ذلك.

أنا أعتبر أن الشخص الذي لا يعتز بماضيه يقترف ذنباً كبيراً لا يغتفر، فمن ليس له ماض لا حاضر له، للأسف أن الفن البحري له جماليات قيمة جداً، ومن المفترض البحث في هذا الجانب وتوثيقه بالصوت والصورة.

● هل تحصل على أجر مالي نظير مشاركاتك في الحفلات الغنائية؟

- أصدقك القول، لا يعجبني أن يأتي الجمهور لسماعي والاستمتاع بالألوان الغنائية التي أؤديها، أن يدفع قيمة تذكرة دخول الحفل، وقد دعيت إلى هذه النوعية من الحفلات لكنني رفضت المشاركة لأني أشعر بالضيق، لأن الجمهور الذي تجشم عناء المجيء لمشاهدتي سيدفع مبلغاً مالياً، إضافة إلى ذلك فإني لا أقبلها على جمهوري الذي خصص لي جزءاً من وقته تاركاً ربما شؤون خاصة به أو بأسرته باحثاً عن لحظات فرح وسعادة تعينه على ظروفه الصعبة وحباً فيّ، فإني أرى من المجحف بحقهم قبولي أن يدفعوا ثمن سعادتهم وفرحهم، لاسيما أني سأغني عددا قليلا من الأغنيات.

أنا لست ضد تنظيم الحفلات وإسعاد الجمهور، لكن ما يزعجني هو إرهاق جيوب متذوقي الفنون، فمحبتهم تساوي عندي الكثير.

الإعلام يركز على أشباه المواهب

قال الفنان العماري إنه يعتب على وسائل الإعلام التي تركز على أشباه المواهب وتهمل المواهب الحقيقية، مستغرباً ما يدور في هذا الشأن، إذ تسيطر العلاقات والمصالح على الإعلام فلم يعد المعيار الأساسي الموهبة أو الإمكانات، بل أصبح أمورا أخرى لا علاقة لها بالفن، تتحكم في تسليط الضوء على فنان بحد ذاته.

وأعرب العماري عن أمله أن يكون ذلك محطة في مسيرة الإعلام سرعان ما يتم تجاوزها ويعود التركيز على الأهم لا على الأقرب إلى النفس أو من يفرض نفسه بطرق غير لائقة.

وأضاف أن "نور الشمس لا يحجب، وإن استطاع البعض أن يسد منبع النور فترة معينة فسيعجز عن مواصلة مشواره، لأن الجمهور سيكتشف ذلك لأن كما يقول المثل الشعبي (الصج يبقى والتصنف جهالة)".

● الفنانون يفرضون مبالغ مالية نظير مشاركتهم في الحفلات أو ظهورهم بالبرامج، لماذا لا تحذو حذوهم؟<

- لست مضطراً، أنا حينما أرى فرحة الجمهور أشعر بأني ملكت كل كنوز الدنيا، لأن السعادة ليس لها ثمن، ومن يفقدها ربما لا يستطيع تحقيقها إن دفع أمولاً طائلة، ومن كثرة إعجابي بهذا الصنيع أشعر برغبة عارمة أثناء فرحة الجمهور ويدفعني الانسجام معهم إلى رغبة تبدو غريبة فأود مشاركتهم الفرح باللعب والشربكة والنزول بينهم.

ربما سيستغرب البعض كلامي، لكن لا مناص من قول الحقيقة عارية، اليوم نحتاج إلى أمور أهم من الأجور المالية أو الكماليات التي تسيطر على مجتمعنا، نحن نحتاج إلى حفظ إرثنا الوطني وصيانته من الضياع أو التشويه، لذلك أدعو المسؤولين إلى استحداث وظيفة مهمة في كثير من الإدارات والوزارات تتمثل بالباحث في اللهجة الكويتية، ليصحح لنا الأخطاء في الأعمال الدرامية، ويوضح لنا وللأجيال الحالية طريقة النطق السليم للمفردة، وكذلك الحال ينطبق على الأغاني الكويتية، لذلك أشعر بالأسى حينما أسمع بعض المفردات في الأغاني الكويتية الحالية وكذلك الحوارات في بعض المسلسلات التلفزيونية، إضافة إلى أن الكويت ليست بهذا السوء الذي تقدمه الأعمال التلفزيونية.

● كيف تقرأ ما يجري راهناً؟

- بصراحة، أتحسر لما يجري لأني أرى عبثا كبيرا يسيطر على الساحة الإعلامية والتلفزيونية، وما يجري تجارة بلا أي تجميل أو رتوش، منتج يبحث عن الربح المالي، والأشد إيلاما هو المتاجرة بالوطن، ومن منظوري أن الفن والتجارة لا يلتقيان، لأن الفنان الحقيقي لا يتكسب شهرة أو يجني مالاً على حساب وطنه، ولأكون أكثر دقة ربما بعض الشخصيات أو المؤسسات تمنح هدايا أو مكافآت نظير بعض الأعمال، لكن هذا لا يعني أن يتحول الفنان إلى تاجر.

● لنكن أكثر واقعية، هم يبحثون عن أجرهم المالي وفقاً لقيمتهم الفنية؟

- بالنسبة لي، فني لا يقدر بثمن، وما يجري في الساحة الفنية مؤلم جداً، فهناك أمور غير مقبولة فالمبالغة في قيمة الأجور شيء يفرغ الفن من جماله ورونقه، لذلك أنا أغني في أماكن كثيرة بلا مقابل احتراماً لنفسي وتقديراً لفني وتوقيراً لجمهوري، فأحضر إلى المكان وأؤدي المطلوب مني مدة ساعة أو ساعتين حسب أجواء الحفل ثم أنصرف بكل حب وتقدير كما استقبلت.

ألوان غنائية متنوعة منتقاة من التراث الجميل

يحرص الفنان سلمان العماري على أداء ألوان غنائية مختلفة في أي حفل يحييه، منتقياً من التراث الكويتي المرصع بشذا الأصالة والعراقة ما يتناسب مع أجواء الحفل فيجنح أحياناً نحو شيلة ما أو موال أو نهمة وهكذا، ومن أشهر الأغنيات التي يؤديها "يامن هواه أعزه وأذلني"، وتقول كلماتها:

"يا من هواه أعزه وأذلني/ كيف السبيل الى وصالك دلني

أنت الذي حلّفتني وحلفت لي/ وحلفت أنك لا تخون فخنتني

وحلفت أنك لا تميل مع الهوى/ أين اليمين وأين ما عاهدتني

تركتني حيران صباً هائماً/ أرعى النجوم وأنت في عيشٍ هني

لأقعدنّ على الطريق وأشتكي/ وأقول مظلوم وأنت ظلمتني

ولأدعونّ عليك في غسق الدجى/ يبليك ربي مثلما أبليتني

ويفضل العماري أداء أغنية "العجايز" التي شدا بها الفنان عبدالله فضالة، ويحرص على أداء مثل هذه الأغنيات بطريقته الخاصة التي اعتادها الجمهور، وتقول كلماتها:

"أحمد الله وأشكره وأثني عليه/ كافل الأرزاق خلاق الأمم

جل شأنه ما لنا رب ٍ سواه/ موجد المخلوق كلّه من عدم

يا إله العرش يا من لا يضام/ أسألك وأدعوك بأسماك العِظَم

إتفكني من شر عجز ٍ جايرات/ هن تبلّني تقل طلاب دم

ويحرص العماري على التنويع في الغناء فيؤدي أحياناً أغنية "البطّالي باع كوته ما شراله كوت ثاني"، ثم ينتقي ما يعجبه من فن السنكني أو الشبيثي أو الخمّاري ويطلق على الأخير هذه التسمية نسبة إلى الخمار الذي يستر به الراقص أو الراقصة جزءاً من الوجه أثناء تأدية الرقصة. ولأن العماري نهام من الدرجة الأولى يحرص على أداء النهمة والفنون البحرية بمختلف أشكالها، كما يقدم ألواناً أخرى مثل العاشوري. ومن الأغنيات التي اعتاد أداءها أغنية ألا يا أهل الهوى واعزتالي

ألا يا أهل الهوى واعزتالي/ عديل الروح مكن بي صوابه

عشير بالمحبة سم حالي/ وأنا واحسرتي قلبي غدا به