تناولت في مقالي الأحد الماضي تحت عنوان "قاضي تيران وقاضي السلطان"، قرار الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة بترشيح المستشار الجليل يحيى الدكروري، قاضي تيران، رئيسا لمجلس الدولة.

وقد وعدت بتناول تداعيات هذا القرار في هذا المقال، بعد أن استعرضت أسبابه التي رسخت في وجدان وضمائر المستشارين أعضاء الجمعية، من احترام للتقاليد والأعراف القضائية وحماية العدالة من تدخل السلطة التنفيذية في اختيار رئيس مجلس الدولة، باعتباره في الوقت ذاته رئيسا للمحكمة الإدارية العليا، وهو ما تغياه القانون رقم 13 لسنة 2017 من تعديل طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، لإقصاء المستشار يحيى الدكروري من رئاسة المجلس بسبب الحكم الذي أصدره في قضية تيران، وسأتناول هذه التداعيات فيما يلي:

Ad

التداعيات السياسية

وهي تداعيات ستتمخض عن صراع غير متكافئ بين القضاء والسلطة السياسية، وستكون من بين أدواته:

1- تدخل البرلمان بتشريع بتخفيض سن تقاعد رجال القضاء من السبعين إلى الستين أو الخامسة والستين، وهو ما لوح به بعض أعضاء مجلس النواب في محاولة لتركيع القضاء، وهو العنوان الذي تناولت فيه هذا التخفيض في مقالي المنشور على هذه الصفحة في 30/ 4/ 2017.

2- وهو تهديد يطول المحكمة الدستورية العليا، إذ سوف يشمل تخفيض سن تقاعد رجال القضاء، رئيس وأعضاء هذه المحكمة، ليتسنى للحكومة إقصاء أغلب مستشاري هذه المحكمة، وتعيين من تراه سيكون منصفا لها في الطعون بعدم دستورية القوانين التي أصدرتها أو ستصدرها، ومنها القانون رقم 13 لسنة 2017 سالف الذكر، وهناك طعن بعدم دستورية بعض نصوص قانون الطوارئ الذي أحيل إليها أخيرا من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة.

وهو ما فعله ترامب في اختياره لقاض من اليمين الذي يؤمن بأفكاره وآرائه التي أعلنها في برنامجه الانتخابي، ليكون صوته مرجحا مع ثلاثة من المستشارين الحاليين من اليمين في المنصب الشاغر في المحكمة الفدراليه العليا في أميركا في مواجهة ثلاثة من الليبراليين، الذين لا يؤمنون بأفكاره.

3- وسوف يتدخل البرلمان كذلك بتعديل قانون مجلس الدولة ليصبح الترشيح لرئاسة مجلس الدولة من اختصاص مجلسه الخاص المكون من أقدم سبعة مستشارين يختارون من بينهم ثلاثة يرشحون للرئاسة، وليس من الجمعية العمومية التي يزيد عدد أعضائها على 800 عضو، وهو حكم خاص بمجلس الدولة لم ينتبه إليه البرلمان عند إقراره للتعديل التشريعي لطريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية بالقانون رقم 13 لسنة 2017.

التداعيات القانونية

والبادي أن الانفعال والغضب تغلبا على العقل في هذا القرار، وأن قدامى مستشاري مجلس الدولة لم يستطيعوا السيطرة على حالة الغضب التي انتابت الشباب من المستشارين في اجتماع الجمعية العمومية سالف الذكر، والذين يكونون الأغلبية العظمى من الجمعية.

ذلك أن قرار الجمعية العمومية سالف الذكر، بترشيح المستشار الجليل يحيى الدكروري وحده دون غيره، يكون هو العدم سواء، وكأن المجلس لم يرشح أحدا، لمخالفته أحكام القانون رقم 3 لسنة 2017 سالف الذكر، الذي يوجب ترشيح ثلاثة من أقدم سبعة مستشارين في المجلس.

فينتقل حق الاختيار– طبقا للتعديل التشريعي سالف الذكر- لرئيس الجمهورية من خلال أجهزته التنفيذية، ليعين واحدا من هؤلاء السبعة.

وأجزم أن هذا كله لم يغب عن بال كل أعضاء الجمعية العمومية، وأن حالة الانفعال والغضب التي اجتاحت جيل الشباب من المستشارين في هذا الاجتماع، بل بعض شيوخهم أيضاً، قد ألزمتهم باتخاذ هذا القرار، لتوجيه رسالة قوية إلى البرلمان والحكومة برفضهم للقانون سالف الذكر دفاعا عن استقلالهم وحماية للعدالة ولشبهات عدم الدستورية التي شابته.

التداعيات القضائية

ومع ذلك فإنه كان يمكن توجيه هذه الرسالة قوية غلابة، مع احترام القانون رقم 13 لسنة 2017، إلى أن يقضى بعدم دستوريته، بترشيح ثلاثة من أقدم سبعة مستشارين من المجلس، على رأسهم المستشار يحيى الدكروري، الذي كان سيحصل على نسبة 99% من أصوات المستشارين الحاضرين، وليست النسبة التي حصل عليها في التصويت وهي 85% عند ترشيحه منفردا، لأن كثيرين من المستشارين الذين امتنعوا عن التصويت على القرار، كانوا سيصوتون له إذا استوفى القرار الشكل القانوني، بترشيح ثلاثة.

ومع أننى وكثيرين غيري ليس لدينا أي بارقة أمل في تعيين المستشار الجليل يحيى الدكروري رئيسا لمجلس الدولة، وقد كان إقصاؤه من رئاسة المجلس هو الهدف المقصود من تعديل كل قوانين الهيئات القضائية في هذا التوقيت بالذات، إلا أنني مع ذلك أجزم بأن ترشيحه صحيحٌ، وكان سيعطيه فرصة أكبر في الدعوى التي يتوقع الجميع رفعها من المستشار الجليل أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة طعنا على قرار تخطيه في التعيين لرئاسة المجلس، باختيار من هو أحدث منه في الأقدمية من ناحية، وأقل منه فى عدد الأصوات من ناحية أخرى، إذ كانت المحكمة ستقضي بإلغاء هذا القرار، لإساءة استخدام السلطة، حتى لو قضت المحكمة الدستورية برفض الدفع، بعدم دستورية القانون.

أما وقد رشح ترشيحا غير صحيح، فإنه لا أمل له في كسب دعواه والقضاء بإلغاء القرار إلا إذا قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون.

ويمضي مجلس الدولة في صون الدستور

ويمضي مجلس الدولة قدما في إرساء أحكام الدستور ومبدأ سيادة القانون والدولة القانونية، وفى حماية العدالة وصون الحقوق والحريات، والذود عن استقلال القضاء، وإقرار المبادئ الدستورية في شرعية التجريم والعقاب، بالحكم التاريخي الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا برئاسة المستشار الدكتور محمد مسعود رئيس مجلس الدولة الحالي، والذي ستنتهي خدمته في شهر يوليو القادم، والذي يقضى بإحالة الدفع المقدم من الأستاذ خالد علي المحامي بعدم دستورية بعض نصوص القانون رقم 162 لسنة 1985 في شأن الطوارئ إلى المحكمة الدستورية، للأسباب التي بينتها المحكمة في أسبابها بجدية هذا الدفع لعدوانه على استقلال القضاء، وعلى الحرية الشخصية، والحريات العامة وهو القانون الذي أعيد العمل به فور وقوع الجريمتين البشعتين في كنيسة مار جرجس بطنطا، وفي مدخل كنسية مار مرقص بالإسكندرية يوم الأحد الموافق 9 أبريل الماضي، وهو ما نبهت إليه في مقالي المنشور على هذه الصفحة في عددها الصادر في 16 أبريل تحت عنوان "هل لفظت ثورة الربيع العربي أنفاسها الأخيرة على صخرة الإرهاب".

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.