قصيدةُ الشاعر الفلسطيني زكريا محمد (مواليد 1950) تلزمك أن تأخذ بيدها الممدودة إليك، لتقودك خارج التاريخ، إلى أسطورتها الخاصة. تطمئنك، إذا كنتَ قارئاً جيداً فتفهم أن استعاراتَها ليست لغوية، وأنها ليست استعارة أصلا. حين يروي لك أن على المرء "أن يرمي الأمل مثل كرة حديدية في قاع البحر"، أو أن "الشعر صمام أمان"، أو أنه يحلم "بشجرة لا قلب لها".

فإن الأمر يتم هكذا داخل الأسطورة، في النص الشعري. لأن اللغة تُصبح شعراً حين تتجاوز التاريخ إلى الأسطورة. ولذلك لا توهمك الاستعارة بأنها إيماءة أو إشارة غير صريحة لما يحدث في التاريخ. النثر يقوم بهذه المهمة عن جدارة. ولا توهمك "الذاكرة"، وهي أحد أعمدة الشعر الجليلة، بأنها تستعيد التاريخَ ببراءة، فهي في استعادتها ما حدث، كالنبتة التي تنتفع من "السماد"، وتُحيله إلى ثمرتها العزيزة.

Ad

وصلتني مجموعتُه الأخيرة "علندي" (المفردة نسبة إلى نبات العلندة أو العلّيق)، وكانت القصيدة الأولى أكثر من دعوة إلى مواصلة القراءة. ففي كل "قصيدة نثر" أغنية ممتعة ونافعة في آن، معها تطرب، ومعها تنتفع من هذا القياد الخفي الذي يحسنه زكريا، من لغة النثر إلى لغة الشعر. من التاريخ إلى الأسطورة. وهو معلم ماهر في هذا. على أني كنت أتوقف، لأن القصائد، وهي تتلاحق دون عنوان، وتواريخ القصائد التي يحرص الشاعر على تثبيتها تنبهك إلى أنه قد يكتب 20 قصيدة في شهر، توهمني بأني أقرأ يوميات بلغة بليغة.

أتوقف، لأعاود بعد فترة، فتعود القصائد مستقلة عن بعضها البعض، ومتعافية؛ لأن القراءة المتواصلة ليست لمصلحتها. القارئ حين يخرج من عالم قصيدة على هذا الطراز لا يستطيع أن يدخل عالم قصيدة أخرى بقدرة الاستيعاب ذاتها. إن عالم القصيدة لدى زكريا بالغ الخصوصية وجديد.

إحدى العناصر التي تعين القصيدة على دخول أسطورتها يجدها الشاعر في استلهام لغة "العهد القديم": "أخفقُ بقدميّ مستعجلاً نحو حقل الخردل، والشمس لقلق يصعد إلى البركة الزرقاء فوقي. سأشرب الحليب برغوته هناك./ من شظف العيش جئت، وإلى النعيم أصل. من الغفلة جئت، وإلى الفطنة أمضي/ الحليبُ يتقطّر دفئاً في قلبي، والحليب يتقطّر على عيني وفمي ولحيتي/ ارسموا لي قوساً يظللني. احفروا لي نهراً يتدفّقُ تحتي". ظلال هذه اللغة التوراتية تجدها تحت أشجار الغاب؛ غاب الأسطورة، على امتداد القصائد.

القصائد توحي بأن الشاعر يصطفي "العزلةَ"، ولا يُعاني من "الوحدة". وبين "العزلة" و"الوحدة" بحرٌ محيط. حميمي مع الآخر، ولكن يتطلب مسافة بينهما تستريح عليها حميميته: "لي صديق يجري مثل النهر. أنا على الضفة، وهو يتدفق تحتي. لا أستطيع أن أوقفه، ولا أن أسبح فيه" والقصائد توحي أيضا بأن الشاعر لا يطمئن للغة القصيدة، حين تنتصر على معناها، تتكور، تكتفي بذاتها، وتعتاش على قدراتها الذكية، التي تحاذي الاحتيال واللعب. ولذلك يبدو صوته "منعزلا بإرادة، عن خبط عشواء قصائد النثر التي تُكتب تحت ظل الحداثات وما بعدها هذه الأيام.

فقصيدته تُكتبُ تحت ظله هو، حيث يتلاشى الخط الفاصل بين الواقع وما يليه. وإذا ما رغبت في الانتفاع من مادتيْ "العزلة" و"الوحدة" اللتين أشرت إليهما، فإن قصائد زكريا توحي أيضا بأنها لا تعاني الوحدة في عزلتها، لأنها وليدة جيله، والأجيال الشعرية التي سبقته؛ وليدة موروثه العربي، وموروثه الإنساني. لذلك لا تكاد تتبين "أنا" متضخمة فيه. وهذا عهدي مع الشاعر الذي يعرف معنى كتلة الشوائب، التي نسميها "الآمال".

إنه يقرفص متأملاً رهين المحبسين، ويتطير من وقع حوافر فرس أبي الطيب. "آه يا إخوتي. أنا حبيس برضاي هنا في جزيرة صغيرة من عيدان القصب. من سبع سنوات لم أحلق شعري. صرت مخيفاً كالغيلان. من سبع سنوات لم أكتب حتى قصيدة واحدة./ الكلام ثقيل والموت خفيف. شفتاي ظلفا غزال، ولساني زمارة قصب./ فساد عظيم أن نولد. وفساد أعظم منه أنْ نُبعث من جديد".