يوجد مشهد مألوف في الغرب الأميركي، يعبر فيه فريق من الخيالة أحد الممرات الجبلية ويستغرب قائد الفريق ما يشهده من هدوء قائلاً: "لا أحب هذا... إنه شديد الهدوء"، وبعد لحظات يتلقى أحد الجنود سهماً قاتلاً في صدره وتسود الفوضى ويحتدم القتال. ويشعر البعض أن هذه حال الأسواق في الوقت الراهن، الذي يحسب دويتشه بنك أن مؤشر "اس آند بي" شهد 10 أيام من أصل 11 يوماً من الحركة التي كانت أقل من 0.2 في المئة وهي أكثر الفترات هدوءاً منذ عقود طويلة، كما أن مؤشر التقلبات "فيكس" هبط الى أدنى مستوى له في 23 سنة بعد اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ويتناقض هذا الهدوء بشدة مع الاضطرابات السياسية التي أعقبت انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة والتوتر المتعلق بكوريا الشمالية، وإقالة مدير مكتب التحقيقات الفدرالية، والسياسات التجارية التي دفعت "سيتي بنك" الى اصدار "ورقة حماية أميركية"، فهل يعبر هذا كله عن رضا وقبول؟

Ad

كانت هناك بالتأكيد مناسبات تسبب فيها هبوط مؤشر "فيكس" بحدوث متاعب، والهبوط السابق الذي حدث في شهر ديسمبر من عام 1993 أعقبه انخفاض حاد في سعر السندات بعد أن بدأ مجلس الاحتياط الفدرالي بتشديد السياسة المالية في شهر يناير من سنة 1994. ولكن ما هو مؤشر "فيكس" وماذا يقيس؟ إنه السعر المشتق من سوق الخيارات الذي يرغب المستثمرون بدفعه من أجل تأمين أنفسهم ضد حركة حادة في أسعار الأصول، وقد كتب الخبير الاقتصادي اريك لونغرغان يقول إن "التقلبات الناجمة عن أسواق الخيارات أو المؤشرات مثل فيكس تتحدد على نطاق واسع من خلال التقلبات التي تحدث، وهكذا عندما يقول الناس إن الأسواق راضية بسبب هبوط ذلك المؤشر يتعين علينا أن نتذكر أن كل ما يلاحظونه هو أن الأسعار لم تتغير كثيراً خلال الثلاثين يوماً الأخيرة فقط".

وتدور المعركة الفكرية بين اولئك الذين يعتقدون أن زيادة التضخم التي حدثت في السابق لا تزال تتمتع بزخم قوي ولكنها تراجعت بعد انتخاب دونالد ترامب وبين من يتوقعون حدوث متاعب في المستقبل، وتركز الشريحة الأخيرة على مؤشرات تدل على أن المد قد تحول؛ فقد هبطت أسعار السلع بنسبة 7.6 في المئة منذ بلوغها الذروة في شهر فبراير الماضي، وربما يؤشر ذلك الى تباطؤ في الاقتصاد الصيني.

وقد أظهر المؤشر الحديث لدى بنك غولدمان ساكس حول أنشطة الصين تباطؤاً بنسبة 6.4 في المئة على أساس سنوي في شهر أبريل الماضي متراجعاً عن 7.6 في المئة في مارس، وذلك على خلفية ارتفاع معدلات الفائدة وتباطؤ النمو في الائتمان والأموال، وكما كان الحال في السابق فإن الخطر يكمن في تباطؤ الطلب على السلع الذي أصاب الأسواق الناشئة وفي ضعف العملة الذي أصاب المصنعين في الدول المتقدمة.

نظرة معاكسة

ولكن يوجد العديد من الناس الذين لديهم نظرة معاكسة، وفي بنك "يو بي اس" يقول المحلل بهانو نويجا انه فيما يشكل الهبوط الصيني خطراً جدياً حول التضخم بالنسبة الى الاقتصاد العالمي فإن السلطات حرصت بشدة على منع خروج الأموال من البلاد الذي يفضي الى انخفاض الأسعار، كما يشير تشيتان آهيا في بنك مورغان ستانلي الى أن الوقت الراهن يشهد تشديداً فيما يتسارع النمو العالمي.

ويرجع السبب الرئيسي وراء ذلك الى تحسن بيئة الطلب الخارجي بقوة، وفي حقيقة الأمر فإننا نتوقع أن تكون سنة 2017 الأفضل بالنسبة الى نمو الصادرات الصينية منذ عام 2013.

ويظهر المؤشر الآخر لسلامة النمو أن نمو صادرات الأسواق الناشئة وصل الى 13.9 في المئة خلال شهر مارس االماضي وهي أسرع وتيرة منذ سنة 2012، وبينما يشكل هذا قيمة الى حد كبير فإن الأحجام ارتفعت بنسبة 3.2 في المئة محسوبة على أساس سنوي، كما أنه لا يوجد مؤشر على تراجع مقلق في سوق السندات الذي يعتبر من قبل الكثيرين اشارة تحذير.

وقد هبطت قيمة السندات في الـ 12 شهراً الماضية الى 3.6 في المئة بحسب وكالة موديز للتصنيف الائتماني، بعد أن كانت 4.3 في المئة، وفي الولايات المتحدة هبطت نسبة التخلف عن السداد من 5.1 في المئة الى 3.8 في المئة.

وبكلمات اخرى فإن تلك مجرد فقاعة، فقد عاد مؤشر أسعار السلع في بلومبرغ الى حيث كان في شهر سبتمبر أو نوفمبر من العام الماضي، وحدث شيء يتسم بقدر أكبر من الأهمية وهو أن خطة دونالد ترامب الاقتصادية تمثل وصفة ضعيفة بالنسبة الى الازدهار في الأجل الطويل، والولايات المتحدة سوف تصبح مدينة بقدر أكبر ويزداد التباين في مجتمعها، وسوف تهمل القضايا الأساسية مثل كيفية الاحتفاظ بالعمالة الماهرة التي غدت متوافرة بشدة، والأسوأ من ذلك هو أنه عندما تصبح التناقضات جلية تماماً فإن خطة ترامب الاقتصادية قد تصبح أكثر ضراوة وتفضي الى ردود فعل سلبية من جانب الدول الاخرى، ما يضاعف مشاعر الغضب في الداخل الأميركي، وحتى إذا أنتجت موجة قصيرة من النمو فإنها لن تطرح حلاً دائماً لمتاعب الولايات المتحدة الاقتصادية، كما أنها قد تمهد السبيل إلى أشياء أكثر سوءاً، وهي حصيلة لا يمكن التكهن بتداعياتها في الوقت الراهن.

ويتمثل الخطر، في حال شعور المستثمرين بخيبة أمل نتيجة سياسة ترامب في أن التقييمات عالية جداً، وقد أصبحت الأسهم الأميركية عالية كما كانت في سنة 2007، اضافة الى أن المعركة بين معسكر زيادة التضخم ومعسكر الرضا بعيدة جداً عن نهايتها.