كتابات الخرافات التي يأتي ذكرها وتمثلها على ألسنة الحيوانات أو الطيور والأشجار والرياح والأنهار وكل مظاهر الطبيعة، ومحاولة أنسنتها، بوضعها في ظروف تشابه حياة الإنسان لتنطق بالخير والشر والحكمة التي تأتي من وراء ذلك، طريقة الكتابة هذه ممتدة جذورها منذ أعماق التاريخ الإنساني، فما الذي أدى إلى انتشارها عبر تاريخ العالم كله تقريبا، بدءا من خرافات "أيسوب" (620-650 ق. م)، ثم "حكايات لافونتين" (1621- 1695)، فتبع منهجها رود يارد كبلنغ- 1902، وبعدها "خرافات من زمننا" لجيمس ثيربر 1940، و"مزرعة الحيوانات" لجورج أورويل 1945، و"الخرافات الصينية" التي ترجمها د. طلعت الشايب باقتدار كبير وبلغة شاعرية رهيفة ربما تفوقت على الأصل ذاته، وضع مختارات منها في كتاب "أنا القمر".

ويذكر طلعت الشايب أن الثقافات القديمة كلها تقريبا عرفت ذاك النوع من الحكي الباقي إلى اليوم، كجزء مهم من الموروث الشعبي، وربما تكون اليونان هي مهد ذلك القالب الأدبي، بداية مع أيسوب ثم فيدروس وبابريوس وروملوس. ومن الهند تأتي خرافات "البيدياي"، وهي التي ترجم منها ابن المقفع نصوصه المعروفة بـ"كليلة ودمنة".

Ad

الخرافات استمرت بعد ذلك لأزمان طويلة وبلاد متعددة، كأنها تتناسل مع بعضها البعض.

لكن السؤال الذي يحضرني هو: ما الذي أو ما الأسباب والدوافع التي أدت إلى نشأتها وامتدادها عبر قرون من الزمن تتوالد فيه باختلاف الأمكنة؟!

هل هو الخوف من الجهر بكتابة الأفكار التي تدور حولها الخرافة بشكل واضح علني، ما يدفع كاتبها للتخفي من وقع سطوتها وإيذائها بنسبها إلى عالم الحيوانات أو الطبيعة واللجوء إلى لغة مقنعة تحميه من السلطة وأدواتها؟

أو ربما استهوت الكتاب شكل الكتابة على لسان الحيوانات، لظرافتها وخفة ظلها وملاحة انطباق كلامها على الحيوان الذي ينطق بها، وسهولة تناقلها على الألسن، كأمثلة للحكمة المرسومة، طبقا لشخصية الحيوان المماثل لصفاتها.

وفي زمننا هذا، أليست الكتابات والأفلام الكرتونية هي النسخة المماثلة لتلك الخرافات القديمة، فقط اختلفت عنها في تخفيها بثوب عصري يناسب وقتنا هذا؟

يبدو أن هناك استلطافا ومحبة كبيرة لهذا النوع من الكتابة التي تلبس الحيوان والطبيعة فكر وعادات وتصرفات الإنسان، ربما ليرى كل منا صورته وردات فعله في مرآة الحيوان الذي يماثله ويشابهه.

كتاب "أنا القمر" يحكي قصصا قصيرة على لسان الحيوانات في منتهى التهكم الساخر المغلفة بظرف ماكر، وفي رأيي أنها أجمل من قصص "كليلة ودمنة".

من هذه القصص حكاية "الثعبان والموسيقى": "قتل ثعبان حجلا يبحث عن طعام، وحزنت زوجة الحجل، وأخذت تبكي وتولول، وعندما سمع موسيقي نواحها، وضع لحنا فيه كل مشاعر الحزن والفقد والألم، ولما استمع إليه سكان الغابة ثاروا وقتلوا كل الثعابين في طريقهم".

الحكمة من وراء هذه القصة تقول: "إن الفن لابد أن يكون دائما من أجل العدل والحرية، فهو الذي يستحث الإنسان دوما ويحفزه ليحشد قواه لمعاقبة كل الشرور" كتبها فنج زو فنج.

مجموعة الأشعار والقصص هذه تشبه فن شعر الهايكو، لكنها قصص تنتهي بحكمة واضحة لا متوارية، مثل الهايكو الذي يبثها في مشاعر حسية خفية غامضة.

أجمل قصص المجموعة هي ذات المصدر المجهول، لشدة غورها في زمن سحيق، ومنها هذه القصة: "طلب ثري بخيل من خادمه شراء خمر من دون أن يعطيه ثمنها، وقال له حين طالبه الخادم بثمنها: إن أي إنسان يمكنه أن يشتري خمرا بنقود، وهذا أمر عادي، أما أن يشتريها دون نقود، فذلك والله الذكاء بعينه، وهو دليل كفاءة ومقدرة، وعندما عاد الخادم من السوق قدم لسيده الزجاجة فارغة، فقال له سيده البخيل: ماذا أشرب أيها الأحمق، إنها فارغة؟ قال الخادم: إن أي إنسان يمكنه أن يشرب الخمر من زجاجة مملوءة به، أما أن يشربها من زجاجة فارغة، فذلك والله الذكاء بعينه، وهو دليل كفاءة ومقدرة".

قصة "الحقيقة والوهم" تحكي حينما أرادت الحقيقة مقابلة الملك رفض مقابلتها بكل مرة تذهب له متخفية باسم مختلف، إلى أن ذهبت إليه باسم الوهم، حينها استقبلها الجميع، وخرج الملك والملكة والحاشية وعلية القوم، ليكونوا جميعا في استقبال الوهم. هكذا استطاعت الحقيقة أن تدخل القصر في النهاية.

رغم أن الحكمة والموعظة ظاهرتان ومباشرتان كدروس تعليمية، فإن حسن الصياغة والخيال وخفة الظل تجعلهما قيمة تراثية مهمة.