يحاول الأدباء الذين يزورون الأراضي المحتلة، بدعوة من المؤسسة الثقافية هناك، نفي تهمة لم توجه لهم أساسا وهي تهمة التطبيع الثفافي. والمسألة تبدو معقدة أكثر ونحن نحاول التفريق بين مناصرة الفلسطينيين كسلطة تنتمي لها المؤسسة الثقافية وينضوي تحت جناحها الكتاب والمثقفون، وتأييد الوضع الذي يعيشونه تحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمنح الموافقة لهكذا زيارات.

بداية التطبيع هي قبول وضع جديد كان مرفوضا في السابق، وتتم مقاومته لرفض الاعتراف بدولة الكيان الإسرائيلي، والتعامل معها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبالتالي قبولها ككيان سياسي في المنطقة العربية. ودون أدنى شك ذلك ليس هدف المثقف العربي الذي يزور رام الله للقاء المثقف الفلسطيني هناك كما حدث سابقا من مثقفين عرب، فالحالة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ومثقفوه تحت هذه الظروف القاسية، وهذا التعنت لقوات الاحتلال، وحصارها المفروض عليه يجعلنا لا نؤيد أيضا بقاءه منعزلا وحيدا تحت ذريعة التطبيع أو تحت ذريعة خلافنا أو عدم اتفاقنا والمؤسسة الرسمية الفلسطينية.

Ad

الزيارة التي يلتقي بها المثقف العربي شقيقه الفلسطيني يجب أن تخرج من دائرة السياسي والمواقف السياسية، وأن تتم تحت المسمى الوحيد لما هو ثقافي، وإبعاد الإسقاطات التخوينية وتهم قبول الوضع الحالي للعلاقات السياسية بين الشعبين العربي والإسرائيلي. قد تتغير السياسة في يوم ما وقد يقبل السياسي اليوم ما تم رفضه بالأمس في ظل ظروف غامضة تمر بها المنطقة، ولكن التبادل الثقافي وفك الحصار عن مثقفي الشعب الفلسطيني يجب ألا تخضع لهذه التغيرات السياسية، وأن تظل في إطارها الثقافي وخصوصيتها الثقافية. بمعنى سواء كان المثقف العربي مع السلطة الفلسطينية أو ضدها فموقف كهذا ليس مبررا مقبولا لعزل المثقف الفلسطيني عن الحياة الثقافية العربية التي ينتمي إليها.

الوضع الأكثر تعقيدا، والذي يتناوله العربي بحساسية أكثر، يذكرني بموقفنا كطلبة في كلية الهندسة حين قرر الأستاذ المحاضر كتابا هندسيا من تأليف رجل ينتهي اسمه بـ"كوهين"، وطلبنا منه تغيير الكتاب إلا أنه رفض، وقال: لا يهمني من هو كوهين ولا يهمكم إلى أين ينتمي، يهمنا أنه أفضل مرجع يفيدكم. لقد رفضنا كوهين دون أن نعلم هل هو يهودي مناهض للصهيونية؟ وهل يتفق مع سياسة الاحتلال الإسرائيلي أم لا؟ حين تقدم بنا العمر عرفنا مجاميع كبيرة من اليهود مناصرة للقضية الفلسطينية، مجاميع كنا نرفضها دون أن ننجح في ضمها إلينا.

ونحن نرفض ترجمة الأدب العربي إلى العبرية، أو ترجمة الأدب العبري إلى العربية، نضع حاجزا كبيرا بين معرفة العدو وطريقة تفكيره، وحاجزا أمامه من أن يعرف كيف نفكر تجاهه، ولماذا نرفض ما يقوم به؟ الخوف من تهمة التطبيع، التي يحاول الزملاء الزائرون للأراضي المحتلة نفيها عنهم، هو خوف كل مؤسسة ثقافية عربية أو دور نشر عربية من نشر أعمال لكتاب من اليهود، ولن نلومهم في ذلك. فالخطاب الذي صاحب حروبنا مع الكيان الإسرائيلي هو خطاب رفض الآخر كليا، وعدم قبول كل ما يكتبه سواء معنا أو ضدنا.