طوال ست سنوات مضطربة نجح الأردن بصعوبة في تفادي الحرب في سورية المجاورة، فقد أيد الثوار الذين تدعمهم الولايات المتحدة ويسعون إلى الإطاحة بالأسد، متعاوناً في الوقت عينه مع روسيا حليف الأسد الأقرب.

ولكن مع سعي إدارة ترامب لتبني موقف أكثر تشدداً في التعامل مع الأسد ومقاتلي "داعش" على حد سواء، تهدد هذه الخطوة بزعزعة محاولة عمان السير على الحد الفاصل في زمن يبلغ فيه التهديد الإسلامي لهذه المملكة ذروة غير مسبوقة.

Ad

تحدثت بعض التقارير عن انتشار جنود أردنيين وأميركيين على الجانب الأردني من الحدود قبالة جنوب غرب سورية، لربما تشكّل هذه خطوة تمهيدية للحملة التي سيطيح خلالها الثوار، بدعم من قوات الأردن والائتلاف على الأرض، جيب "داعش" في حوض اليرموك قرب حدود سورية الجنوبية الغربية مع إسرائيل والأردن.

أشعلت هذه الأخبار حرباً كلامية بين الأردن، وروسيا، وسورية، إذ يعود هذا التوتر المتنامي إلى مرحلة إعادة ضبط حذرة بين الأردن وسورية، ففي شهر نوفمبر ذكر الفريق الركن محمود فريحات، القائد العسكري الأعلى في الأردن، في مقابلة مع قناة "بي بي سي العربية": "منذ بداية الأزمة لم نتعاون مطلقاً ضد النظام، بل حافظنا على علاقاتنا به. واستمرت أيضاً علاقاتنا الدبلوماسية مع سورية".

أقر فريحات أن الأردن درّب قوات ثورية، إلا أنه شدد على أن مهمة الثوار تمحورت حول الدفاع عن حدود الأردن في وجه "داعش" والمجموعة المقاتلة في صحراء الحماد.

لكن تبدّل لهجة الأردن في الأسابيع الماضية، الذي جاء في أعقاب زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الأخيرة إلى البيت الأبيض، يعكس تغييراً في السياسة الأميركية، حسبما يوضح عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمان.

يضيف الرنتاوي: "يعجز الأردن عن الابتعاد عن السياسة الأميركية [في سورية] في هذا المجال". صحيح أن الولايات المتحدة تصنّف محاربة "داعش" أولوية، وفق الرنتاوي، إلا أن تأمل السياسات الأميركية عن كثب يُظهر أن "كبح لجام إيران يُعتبر أولوية أهم في الأجندة الأميركية"، لكن السؤال الذي ينشأ هنا: ما الدور الذي قد يؤديه الأردن في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران؟

تنبّه تنظيم "داعش" لتدخل الأردن المتنامي هذا، ففي مطلع شهر أبريل نشرت هذه المجموعة شريطاً مصوراً بطول 21 دقيقة تعهدت فيه بشن هجمات ضد هذا البلد، ونفّذ هذا التهديد خمسة أعضاء أردنيين في "داعش" ينتمون كلهم إلى عائلات قبلية يُعتقد أنها موالية للأردن.

يذكر قتيبة المجالي، مجاهد أشعث الشعر غادر الأردن قبل أكثر من ثلاث سنوات للانضمام إلى "داعش" في الرقة: "يجب أن نلحق الأذى بهذا النظام المتعجرف ونجعله يذوق القليل من لهب الحرب على يد مَن تدربوا في الأردن".

نرى بعد ذلك المجالي يلوّح بسكين مهدداً، ويقول قبل أن يركل سجيناً يزعم أنه جاسوس جنّدته أجهزة الاستخبارات الأردنية وينحر عنقه: "ستصل سكاكيننا إلى أعناقكم وأعناق كل صليبي في الأردن، وستمزق رصاصاتنا رؤوسكم العفنة، إليكم أخباراً جيدة مما يؤلمكم".

لكن المحلل الرنتاوي يؤكد أن "داعش" لا يشكّل مصدر قلقه الأبرز، بل ما قد يتبقى عقب سقوط هذا التنظيم، هل تسمح القوات الموالية للحكومة السورية للثوار المدعومين من الأردن بالاحتفاظ بالمناطق التي انتزعوها من ذلك التنظيم الإرهابي؟ وما سيكون رد فعل الأردن عندما يحدث تصادم بين القوات السورية والثوار بعد خروج "داعش" من الصورة؟

وما يزيد الطين بلة وجود حرس الثورة الإيراني المتمركز في سورية على بعد نحو 80 كيلومتراً عن الحدود الأردنية.

ويختم الرنتاوي: "السياسة الأميركية معدّة لمواجهة كبرى مع إيران، وسنشهد مواجهة تدوم أربع إلى خمس سنوات لا يدفع خلالها الأميركيون أي ثمن، بل ستقع كل الكلفة على عاتقنا، إذ تستخدم الولايات المتحدة في قتالها اليوم السوريين، واليمنيين، وغيرهم، وآمل ألا تستغلنا نحن أيضاً".

* «نبيه بولس»