يواصل د. عمر أبا الخيل الدوسري تحليله التاريخي لظهور مختلف التيارات السياسية في الكويت بعد عام 1950 وبدايات الكويت الحديثة المعتمدة على الاقتصاد النفطي بعد اندثار أنماط الغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية القائمة على السفن الشراعية. وبعد حديثه عن التيار القومي وحركة القوميين العرب، يتناول "الجماعات الدينية"، فيتحدث عن الإخوان المسلمين والجماعة السلفية والشيعة... ويقول شارحا عن جماعة الإخوان المسلمين: "بدأت جماعة الإخوان المسلمين نشاطها في الكويت في بداية الخمسينيات بتأسيس "جمعية الإرشاد الإسلامي" عام 1952م على يد السيد عبدالعزيز العلي المطوع ومجموعة من الكويتيين، وتم اختيار الشيخ يوسف بن عيسى القناعي رئيسا لها وعبدالعزيز المطوع أمينا عاما، واستمرت هذه الجمعية في نشاطها من خلال المحاضرات والندوات الدينية حتى عام 1959م حين أقدمت الحكومة على إغلاق جميع الأندية الثقافية بما فيها جمعية الإرشاد، وقد كان هروب بعض الإخوان من مصر في عهد عبدالناصر وراء قيام هذا التنظيم في الكويت".وينتقل د. الدوسري إلى ما بعد الاستقلال فيقول: "وفي ظل الانفراج السياسي وبدء التجربة الديمقراطية وبدء التجربة الديمقراطية بعد الاستقلال، مارست القوى والجمعيات نشاطاتها بين العلنية والسرية، وفي ظل هذا المناخ اجتمعت جماعة الإخوان المسلمين في ديوانية "فهد الخالد" وقرروا تأسيس "جمعية الإصلاح الاجتماعي" عام 1963م، والتي ليست سوى واجهة للإخوان المسلمين في الكويت، وهي امتداد لجمعية الإرشاد الإسلامي التي وجدت في الخمسينيات، ولكن ظل نشاط جماعة الإخوان محدودا على المستوى السياسي والحزبي والديني طوال فترة الخمسينيات والستينيات بسبب سيادة وهيمنة التيار القومي، ومحاربة عبدالناصر لحزب الإخوان المسلمين في مصر".ويذكر الباحث منابر الجمعية ومساجدها ومجلة "المجتمع" لنشر مبادئها وأفكارها، وأنها تدعو باستمرار إلى العمل على "تطبيق الشريعة الإسلامية في القضاء والحكم"، وأن تكون الشريعة "المصدر الوحيد للتشريع في البلاد". ويذكر د. الدوسري أيضاً أن من أهداف الجمعية "إقامة الحدود الشرعية، وإلغاء الفوائد البنكية ومنع الاختلاط، وإنشاء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، كما يذكر أن الجماعة عملت على "دفع الحكومة إلى منع الكنائس من استخدام الأجراس التقليدية التي تدعو إلى صلاة الأحد عند المسيحيين".ويلفت نظر القارئ بعض الشيء أن د. الدوسري الذي يكرس كتابه المفصل لبحث "المسألة الاجتماعية في الكويت"، لا يشير إلى رؤية أو مفهوم الإخوان المسلمين للمجتمع الكويتي ومطالبه السياسية والاقتصادية والخدماتية وغيرها، ولا يشير إلا إلى إهمال الجمعية في فترة "جمعية الإرشاد الإسلامي"، في أن "تظهر اهتماما يذكر بفئة أبناء القبائل".لماذا اهتم التجار والقوميون من الطبقة الوسطى مثلا بمبدأ محاسبة السلطة التنفيذية وبالديمقراطية، وتفاصيل بناء الدولة الحديثة والإدارة العصرية وتحديث المجتمع، ولم يلتفت الإخوان إلى شيء من ذلك؟لقد عرف كبار مؤسسي الجماعة في الكويت أوضاع مصر والحركة الدستورية والانتخابات فيها، كما رشح الشيخ حسن البنا نفسه في إحدى الدورات الانتخابية المصرية، وكان كل من مؤسسي الجماعة في الكويت السيد عبدالعزيز المطوع وشقيقه عبدالله (بوبدر) على صلة بقيادات الإخوان في مصر وسورية خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وكانت الصراعات الدستورية والانتخابية وحرية الصحافة وغيرها من القضايا المطروحة في الوسط الاجتماعي والسياسي والثقافي، بل في أوساط إخوان مصر وسورية التي تجمع فيها الإخوان لبعض الوقت، وصار الإخوان يعبرون هناك في سورية عن الجماعة بعد ضربهم في مصر، إضافة إلى وجود فرع للإخوان في لبنان، وهي دولة عرفت جيدا الأنظمة الدستورية والديمقراطية والانتخابات.وإذا كان على رأس جماعة الإخوان في الكويت عام 1952 شخصية سياسية دينية مخضرمة مثل الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، المعروف بأدواره في حركة 1921 و1938 ومختلف المجالس واللجان الانتخابية في الكويت، فالمتوقع كذلك أن يكون قد نقل بعض خبرته وتجاربه الانتخابية والتشريعية إلى الإخوان، ومنها أهمية الدساتير والمجالس والقوانين.ولكننا والباحث، د.الدوسري، لم نشاهد أو نلمس أي تسرب من هذا النوع أو تأثر في أدبيات وأفكار الإخوان وشعاراتهم واهتماماتهم في الكويت، أو أي موقف علني في ضرورة تبني قانون أساس أو دستور أو انتخاب مجلس للأمة أسوة بما كان يثار في مصر وسورية، أو حتى مناقشة مدى صلاحية ذلك كله للكويت، ولم يتحدث أحد حتى عن "دستور إسلامي". بل المعروف أن الإخوان في الكويت كانوا ضد تبني القوانين الحديثة بحجة أنها وضعية، وقد استعانوا في تصليب موقفهم ببعض القانونيين الإخوان ومناصريهم من أعضاء الجماعة والمصريين والسوريين وغيرهم.ومن الأفكار غير الدقيقة التي روج لها الإخوان في كل مكان، الادعاء بوجود "قوانين شرعية" إسلامية كاملة شاملة، بديلة للقوانين الوضعية!ولقد كتبنا مرارا، ونفعل مرة أخرى، عن إشارة الشيخ "محمد الغزالي"، أحد الإخوان السابقين المعروفين، منتقدا هذه الفكرة بمرارة، كما جاء في حوار مجلة "الأمة" القطرية الإسلامية معه، في العدد 42، والذي قال فيه:"لا بد من الاعتراف بأن فقه العبادات، وجوانب من فقه المعاملات اتسع عندنا أكثر من اللازم وأن الاستبحار التشريعي في أمور الطهارة والصلاة والحج والزكاة وما إلى ذلك كان أكثر مما يطبقه الفرد المسلم... وقليل من هذا كان يكفي الناس، لكن لا شك أن في الأمة تخلفا في سياسة الحكم وسياسة المال".ثم يواصل "الغزالي" الحديث قائلا: "ومع أن الفقه الإسلامي يمثل على الأقل 50% من المكتبة الإسلامية فإننا مصابون بضمور في بعض المعاملات على سبيل المثال نحو خمس وعشرين كبيرة من الكبائر لم توضع لها عقوبات. نحن لم نضع عقوبة للتعامل بالربا أو للغصب أو للفرار من الزحف أو لأكل مال اليتيم أو للغش، أو لما يقع من مخالفات كثيرة. فهل الحدود التي وضعها الله تغني عن تشريعات لابد منها في الميدان الاجتماعي؟ قوانين العمل والعمال لا تزال صفرا عندنا، ونستوردها الآن من الخارج في إصابات العمل وفي حقوق العامل، وهذا لا يجوز، القوانين الإدارية إلى الآن لا تزال أيضا مجلوبة.ويندر أن يقرأ المرء تقريرا بهذه الدقة والصراحة في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة، يكشف بجلاء حجم التهويل والمبالغة في ادعاءاتها باكتمال الجانب التشريعي للنظام الإسلامي المنشود".وإذا نظرنا إلى "القوى الوطنية" كما تسمى، وكما يشير الباحث إلى مجمل حركة التجار والقوميين، على ما رافق مسيرتها من أخطاء، باعتبار هذه المسيرة منذ 1950 استمرارا لتجارب حركتي 1921 و1938، وللمطالب الدستورية المجهضة والمؤجلة، والتي تضمنت المطالبة بفصل السلطات ومراقبة الإنفاق وغير ذلك، فما مدى انسجام مطالب الإسلاميين المماثلة في الفترة ذاتها مع خبرة الكويت وتجربتها السياسية ومطالب بناء الدولة بعد الاستقلال؟ وهل لدى الحركة الإسلامية أساساً أي تحليلات ونقاشات حول "المسألة الاجتماعية" في الكويت؟ وهل حاول أحد الإخوان الاستفادة من تجارب الإسلاميين مثلا في تركيا وتونس والمغرب وغيرها؟وينتقل د. الدوسري بعد الإخوان إلى "جماعة السلف" ثاني أبرز التيارات الإسلامية في الكويت فيقول: "نشأت الحركة السلفية في الكويت في منتصف الستينيات في شكل خلايا تركز نشاطها في البداية في مناطق الفيحاء وكيفان والقادسية، وهي على العموم ذات منطلقات وفكر مستمد من دعوة محمد بن عبدالوهاب الإسلامية في الجزيرة العربية، وقد بدأت حركة دينية لإصلاح أحوال المجتمع والعودة به إلى أيام السلف الصالح وبدايات الإسلام، كذلك فإن هذه الحركة تعتقد أن التجمعات الإسلامية الأخرى ومنها جماعة الإخوان المسلمين لا تمثل التيار الإسلامي الصحيح، ويرجع انتشار الحركة السلفية في الكويت إلى المناخ العام المناسب في تلك الفترة".لقد تم التعجيل بإنشاء الجماعة السلفية في الكويت وتوسيع عضويتها على الأرجح، لعدة أسباب لعل أبرزها ضغوط الثورة الإيرانية وطابعها المذهبي وتنامي التشيع السياسي، كما برزت الحاجة إلى تيار أشد قربا للحكومة من جماعة الإخوان ذات الجذور والامتدادات الخارجية.وكانت الجماعات السلفية قد انتشرت في العالم بعد تزايد ثراء المنطقة الخليجية، ومسعى هذه الدول لاحتواء الشباب والحد من نفوذ الإسلام السياسي بتكوين جماعات دينية بعيدة عن السياسة والحزبية، غير أن المحاولة لم تنجح في الكويت ومناطق أخرى، وسرعان ما نسج السلفيون الكويتيون على منوال الإخوان، وباتوا أبرز منافسيهم في الانتخابات العامة والجمعيات وفي استقطاب الشباب والطلاب في الجامعة.يقول د. الدوسري: "في إطار نشاط الحركة السلفية، جرى إشهار "جمعية إحياء التراث الإسلامي" عام 1981م من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ثم أصدرت مجلة "الفرقان" في عام 1989م، والتي أصبحت لسان حال الجماعة السلفية في الكويت، وسرعان ما أصبحت للحركة دوافع وأهداف سياسية عندما شاركت في الانتخابات النيابية منذ عام 1981م، وقامت بالتنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين في العديد من المنافسات شأنها شأن التنظيمات الإسلامية الأخرى التي تخفت وراء عدد من الواجهات مثل جمعية إحياء التراث الإسلامي، وجمعية بيادر السلام النسائية".ماذا عن دور الشيعة والقبائل في كويت ما بعد الاستقلال؟ هذا ما سنراه في مقال قادم.
مقالات
د. عمر الدوسري و«المسألة الاجتماعية في الكويت» (6)
04-05-2017