«نعتذر لم يعد هناك مقاعد»، «للأسف نفدت جميع تذاكر الحفل»، مثل هاتين العبارتين أصبحتا دارجتين وتترددان على ألسنة العاملين في أماكن الحجز للحفلات الموسيقية والغنائية التي تقام بالسعودية تحت مظلة هيئة الترفيه، حتى إن تذاكر هذه الفعاليات أصبحت تنفد قبل موعد الفعالية بأيام عديدة، رغم أسعارها المرتفعة نسبيا.

والحقيقة أن معظم الأنشطة الثقافية والفنية التي ترعاها هيئة الترفيه في العديد من المدن الرئيسية والمحافظات في المملكة تلاقي إقبالا جماهيريا كبيراً، إلا أن اللافت أكثر أن الفعاليات الموسيقية والغنائية، سواء المحلية أو العالمية، تحظى بالجذب الأكثر، ما يعكس تعطشاً عميقاً واحتياجاً ماسّاً لمثل هذه الفعاليات الموسيقية والغنائية لدى شريحة كبيرة من المجتمع، فكان قرار إعادة تفعيل هذه الأنشطة الموسيقية في السعودية، وضمن الضوابط الأخلاقية العامة للمجتمع، وفي إطار تنظيمي يضمن متعة الحضور والاستمتاع بما يقدم من فن لا يشوبهما أي تصرفات غير مسؤولة قد تصدر من قبل البعض، قرارا يصب في مصلحة إعادة المجتمع للمسار الصحيح، ويتماهى مع حاجة أفراده، وما هذا الإقبال الجماهيري إلا دليل على ترحيب كبير من قبل فئات كثيرة من المجتمع، فرحة باستعادة الحياة الطبيعية لمجتمع عانى سنوات طويلة ممن اختطفوا من بين أيديهم هذه الحياة التي كانت حاضرة في زمن ماضٍ، ولم يُحدث حضورها آنذاك تلك الكوارث الأخلاقية التي طالما لوَّح بها من أخذوا على عاتقهم همّ الوصاية على المجتمع وحماية أفراده من مغبة الاستمرار في تلك الحياة الطبيعية التي كان يجد فيها الناس ما يغذي وجدانهم ويُسهم في تربية أحاسيسهم وعواطفهم، من خلال الموسيقى والأغاني.

Ad

ولن آتي بجديد إذا ما قلت إن الكوارث الاجتماعية الكبرى حضرت بالفعل خلال الحقبة التي غُيّب فيها الفن وحوصر بشكل مقيت، وأصبحت فيه الأغنية تخاطبنا من وراء حجاب، حيث تفشت ظواهر مثل التطرف والإرهاب وانحراف المشاعر ومعاداة الحياة، وغلُظت المشاعر وسالت الدماء خلال هذه الحقبة الزمنية المعتمة فنيّا.

ومن خلال تجربة شخصية أستطيع القول إنه كان لفنان مثل طلال مداح، على سبيل المثال، دور لا يقل عن دور أسرتي في تربيتي دون أن ألتقيه، لكن فقط من خلال أغانيه التي نشأت على عشقها منذ الصغر، وأثْرتني وجدانياً وعاطفياً، وكان لها الدور الأبرز في تشكيل عواطفي ورسم ملامح أحاسيسي، وساهمت كثيرا في نضوجي وجدانيا، وأنا على يقين أنني لست في ذلك حالة شاذة ولا استثنائية، بل هناك الكثير الذين أحدثت فيهم الأغنية والموسيقى بشكل عام هذا الأثر، وقد آن الأوان لهذا المجتمع أن يستعيد إنسانيته السوية التي سُلبت منه، ليخطو باتجاه حياة طبيعية يشكل الفن أحد اطيافها، ونعتذر لمن خالف ذلك، بأن ليس له أي مقعد في مسيرتنا الخضراء نحو المستقبل، فالمقاعد محجوزة بالكامل للأسوياء الذين ينشدون مجتمعا بلا قنابل موقوتة!