تشكلت «جبهة جمهورية» عريضة في فرنسا أمس، مع انطلاق الاستعدادات للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي تجرى 7 مايو المقبل، ويتوقع أن يفوز بها المرشح الوسطي المؤيد للاتحاد الأوروبي إيمانويل ماكرون على حساب اليمينية المتطرفة المعادية لليورو والهجرة مارين لوين، للحيلولة دون وصول مرشحة «الجبهة الوطنية» لقصر الإليزيه.

Ad

وعشية إعلان نتاج الجولة الأولى، التي أجريت أمس الأول، وتصدرها ماكرون البالغ من العمر (39 عاماً) بحصوله على نحو 23.7 في المئة تلته لوبن بـ21.7 في المئة، ودعت غالبية الطبقة السياسية الفرنسية سواء من اليمين أو من اليسار، وخصوصاً حزب «الجمهوريين» وحزب «الاشتراكيين»، إلى «تشكيل حاجز» بوجه مرشحة اليمين المتطرف.

وذكرت «الجبهة الجمهورية» التي تشكلت أمس، بالانتخابات الرئاسية عام 2002 حين تأهل مؤسس «الجبهة الوطنية» جان ماري لوبن والد مارين للدورة الثانية في مواجهة جاك شيراك، قبل أن يتكبد هزيمة كبرى (17.79 في المئة) في مواجهة قوى سياسية تكتلت ضده.

مبارزة واتهام

وانطلق ماكرون، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد بحكومة الرئيس الاشتراكي المنتهي ولايته فرنسوا هولاند، من موقع المرشح الأفضل حظوظا للفوز في الدورة الثانية على حساب لوبن، التي حققت نتيجة تاريخية بحصولها على 7 ملايين صوت بالجولة الأولى.

وستكون المبارزة بين ماكرون ولوبن حول برنامجين على اختلاف تام في العديد من الموضوعات كالانفتاح مقابل الانغلاق، والهوية الوطنية مقابل التعددية، والليبرالية مقابل الحمائية، غير أن الاستقطاب الحقيقي فيها سيكون حول موضوعين محوريين هما «أوروبا» و»العولمة».

واعتبر ماكرون أن حركته «إلى الأمام» بدلت خلال سنة «وجه الحياة السياسية الفرنسية».

وشدد على أنه يحمل «صوت الأمل» لفرنسا و»لأوروبا»، مؤكداً عزمه على أن يكون رئيساً لكل الفرنسيين في مواجهة «خطر القوميين».

في المقابل، أكدت لوبن الداعية إلى إغلاق الحدود والخروج من اليورو وتعليق الهجرة، أن «الرهان الكبير في الانتخابات هو العولمة العشوائية التي تشكل خطراً على حضارتنا». وطرحت نفسها على أنها «مرشحة الشعب».

واستأنفت لوبن، التي حققت أفضل نتائج لها في الأرياف والبلدات الصغيرة والمناطق، التي عانت «عواقب العولمة»، حملتها منذ صباح أمس، مع زيارة إلى معقلها بشمال البلاد.

وقالت أثناء زيارة لسوق في روفروا: «إن الجبهة الجمهورية البالية المتعفنة، والتي لم يعد أحد يرغب فيها ورفضها الفرنسيون بعنف استثنائي، تحاول تشكيل ائتلاف حول السيد ماكرون. أكاد أرغب في القول حسنا يفعلون».

في موازاة ذلك، وجه فلوريان فيليبو كبير مساعدي لوبن انتقاداً لاذعاً لخصمها الوسطي، واتهمه بـ»بيع الشركات الوطنية وانتقاد الثقافة الفرنسية»، وقال إنه متعجرف يتحدث وكأنه فاز برئاسة فرنسا.

فوز مريح

في هذه الأثناء، أظهرت أغلب استطلاعات الرأي أن المرشح الشاب سيتمكن من تحقيق فوز مريح بحصوله على 64 في المئة من أصوات المقترعين بالجولة الثانية مقابل 36 في المئة لمنافسته.

ويقول محللون، إن أفضل ما يمكن أن تفعله لوبن للحد من تفوق ماكرون الكبير في استطلاعات الرأي هو تصويره جزءاً من نخبة منعزلة عن المواطن الفرنسي العادي ومشاكله.

كما ستشمل استراتيجية لوبن تذكير الناخبين بالدور الذي لعبه ماكرون من قبل في مجال بنوك الاستثمار وتوليه وزارة الاقتصاد في ظل حكومة الرئيس الاشتراكي المنتهية ولايته فرنسوا هولاند، التي تسببت سياستها الاقتصادية في انخفاض حاد بشعبية الأخير.

وماكرون الذي لم يسبق أن تسلم أي منصب منتخب، في موقع جيد لخلافة هولاند، حيث سيصبح أصغر الرؤساء سناً في تاريخ الجمهورية بمن فيهم لوي نابوليون بونابرت (1808-1873).

ارتياح واسع

في غضون ذلك، أعربت أوساط أوروبية مالية واقتصادية وسياسية عن ارتياحها لنتائج الانتخابات الفرنسية، وهنأت المفوضية الأوروبية مرشح تيار الوسط، بسبب «الدفاع عما تمثله أوروبا».

واعتبر المتحدث باسم المفوضية، مارغريتيس شيناس، أن الاختيار كان «بين الدفاع عما تمثله أوروبا وخيار آخر يهدف إلى تدمير أوروبا».

وأعربت الحكومة الألمانية عن سعادتها البالغة بنجاح المرشح الليبرالي ماكرون في الجولة الأولى، بشكل صريح على نحو غير معتاد من حكومة المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل التي رأت أن التصويت جاء لمصلحة أوروبا.

وارتفع اليورو 2 في المئة، وانخفض الين أمس، بعدما هدأت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية مخاوف أسواق العملات من حدوث صدمة سياسية.

ورأى محللون أن النتيجة، التي حققها وزير الاقتصاد السابق وتوقعات فوزه بعد تجيير الأصوات المرتقب لمصلحته من أجل قطع الطريق على اليمين المتطرف، «هو السيناريو المثالي، الذي كانت الأسواق المالية تحلم به يائسة» بعد تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض معتمداً برنامجاً يقوم على الحمائية.

تلاشي «الاشتراكي»

إلى ذلك، سلطت الخسارة «التاريخية» التي مني بها الحزب الاشتراكي الحاكم في فرنسا منذ خمس سنوات بعد خروج مرشحه بونوا آمون من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الضوء على مستقبل الحزب الفرنسي الذي تحوم الشكوك حول قدرته على مواصلة مشواره السياسي كأول قوة يسارية على الساحة.

وحصل آمون على نتيجة أعلى بقليل من 6 في المئة من الأصوات، وهو ما اعتبره بنفسه «عقوبة تاريخية» لحقت بحزبه، داعياً إلى الإعداد منذ الآن للمعركة المقبلة مع اقتراب استحقاق الانتخابات التشريعية في 11 و18 يونيو المقبل.

وحتى الآن، كانت الهزيمة المدوية، التي لحقت بالمرشح الاشتراكي السابق ليونيل جوسبان في 21 أبريل 2002، تعتبر أكبر ضربة تلقاها الحزب الذي تأسس عام 1905 ووصل إلى السلطة للمرة الأولى عام 1981 مع فرنسوا ميتران.

ولا يشكل الحزب الاشتراكي الفرنسي بهذا الصدد استثناء في أوروبا، حيث منيت القوى الاشتراكية الديمقراطية بهزائم فادحة في اليونان والنمسا وإسبانيا وإيرلندا وهولندا على سبيل المثال.

هزيمة مذلة

وأسفرت الدورة الأولى من الانتخابات التي تميزت بمشاركة كثيفة ناهزت 78 في المئة، عن خروج الحزبين الكبيرين اليميني المحافظ «الجمهوري» واليساري «الاشتراكي» من الشوط الأخير من السباق إلى قصر الإليزيه.

ومني اليمني المحافظ فرنسوا فيون، بهزيمة مذلة بعدما وجهت إليه التهمة في قضية وظائف وهمية انعكست على حملته، وحل في المرتبة الثالثة مع 19.91 في المئة من الأصوات، متنافساً مع زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون الذي حقق اختراقاً قياسياً ورفض توجيه أنصاره للتصويت لأي من المرشحين أمس.