سعار العنصرية كان موجودا منذ القدم، ويكثر في أماكن هجرها الناس، عندما كانت قوة الروابط الاجتماعية والوحدة الإنسانية تمنعانهم من الاقتراب من مثل هذه البيئات الموبوءة كمثل بعض بيئات العالم.

إذاً هذا السعار ليس بغريب على المواطنين العقلاء والمخلصين، فهم يعرفونه ويميزونه من بعيد، وبالتالي يحرصون على الابتعاد عنه واجتنابه، لكن ما حصل هو أنّ فضول أصحاب النوايا الصافية دفعهم إلى الاقتراب من هؤلاء المسعورين، وبالتالي أصيبوا وانتشر هذا الوباء في البلد، فأخذ الوباء بعد ذلك شكلا جديدا يتسم بموجات هائجة تبحث كل منها عن فرصة لإقصاء الأبرياء وغير الأبرياء عند أقرب شط يابسة!!

Ad

وليس المستغرب في هذا الأمر وجود هذا السعار، بل هو علو حدّته وانتشاره بشكل لافت في هذه الأيام بالذات، فلماذا يا ترى يريد الكويتيون إقصاء بعضهم؟

يتكون بلدنا الحبيب من عدة مكوّنات من حيث التركيبة السكانية (ولا عيب) مثله مثل الكثير من الدول، كل مكوّن يحتمي تحت ظله جماعة من الفاسدين الذين لا يقتصر وجودهم على مكوّن دون الآخر، فكل مكان فيه الصالح والطالح، وهؤلاء الفاسدون ينظرون إلى هذا الوطن على أنّه قالب كعك، ويوهمون القطيع التابع لهم (هناك من يتبعهم عن جهل وآخرون يتبعونهم عن رضا)، أنهم الحراس الأمينون الذين يحرسون نصيبهم من هذا القالب.

وقد كانت الأمور تمشي بالبركة على هذه الحال سنوات طوالاً، والبلد يئنّ مما خلفه فساد هؤلاء على جميع مجالات الحياة، إلى حين الأزمة التي أثارتها بقصد أو بغير قصد تصريحات رسمية بدأت بانتهاء زمن الرخاء ومرورا بضرورة مس جيب المواطن وانتهاء بأزمة البنزين والكهرباء.

هنا أدرك هؤلاء الفاسدون أنّهم أمام واقع أن قالب الكعك هذا صار أصغر، ولأنهم غير مستعدين للتضحية بتقليل حصتهم منه، فهو بنظرهم قالب كعك لا وطن تجب التضحية من أجله، لذلك بدأ البحث عن حلول لضمان عدم المساس بحصتهم من الكعكة، ولم يعد إقصاء الأفراد يكفي، فهذا لن يوفر سوى فتات، ولذلك وجدوا أن الحل في إقصاء مكوّن بأكمله، وهكذا يضمنون عودة التوازن وثبات حجم حصتهم، وانطلت اللعبة القذرة على القطيع التابع لهؤلاء الفاسدين مما أدى إلى انتشار الوباء سريعاً، وازدياد حدة سعار العنصرية.

وفي كل مرة يصغر فيها قالب الكعك أكثر ستتوجه الأنظار لإقصاء مكوّن جديد إلى أن يضيع البلد في طرفة عين، بسبب فساد هؤلاء المسعورين وغباء القطيع التابع لهم.

لذلك أتمنى أن يخفف هؤلاء الفاسدون العنصريون من حدة سعارهم لأنّه بدأ يفضحهم ويفضح نظرتهم لهذا البلد الكريم، وأتمنى من القطيع الذي يسير خلفهم بلا وعي أن يتحرر من التبعية التي يجب تحويلها إلى العقل، فالعقل أولى أن يتبع، والوطن أولى أن يكون ولاؤنا له، فالمكوّن الاجتماعي ليس سوى عادات وتقاليد وأسماء مشتركة، أما الوطن فهو أصل وجودنا وهويتنا وكياننا.