بات بوسعنا الآن أن نتحدث عن إمكانية تحديد السمات الثقافية والذهنية لنسلنا، كما أضحت عمليات تحديد جنس الأجنة شائعة؛ وهو أمر يثير الكثير من الأسئلة ويطرح أضخم التحديات.

لقد زاد الإقبال على عمليات تحديد نوع الجنين بشكل واضح في الآونة الأخيرة، كما تعددت الطرق التي بات الأطباء يعتمدونها من أجل توفير تلك "الخدمة"، للكثير من الأسر التي تريد أن تؤدي دوراً في تحديد نوع أبنائها.

Ad

يشير هذا التطور إلى تصاعد كبير للدور الذي باتت تؤديه الثورة العلمية البيولوجية من جانب، وإلى تقاطع تلك الثورة مع مفاهيم إيمانية واجتماعية وإنسانية عميقة من جانب آخر؛ وهو أمر يمكن أن يثير إشكالات أكبر مما نتوقع. إن ميل الأسر، في مجتمعات مختلفة، إلى تفضيل جنس معين لنسلها، أمر له العديد من التداعيات السلبية بطبيعة الحال، لكن الأخطر من ذلك هو قدرة هذه الأسر على تحقيق هدفها بسهولة.

سيعني هذا لاحقاً اختلالاً سكانياً، واجتماعياً، وإنسانياً، وثقافياً، خصوصاً أن معظم الطلب، في المجتمعات التقليدية الأقل نمواً، يتجه نحو جنس معين: الذكر.

ليست تلك أسوأ التداعيات الحضارية والإنسانية لتفجر "الثورة البيولوجية"، فثمة ما هو أكثر خطورة وإزعاجاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالوسائل التي تُمكّن تلك الأسر الراغبة في التحكم بنسلها من "التلاعب" في المورثات الجينية للوافدين الجدد من أبناء العائلة.

الأمر أشبه ما يكون بفني محترف يجلس خلف لوحة مفاتيح، مستخدماً كل إمكانات برنامج "فوتوشوب"، التي تتضمن القص، واللصق، والحذف، والإزالة، والتظليل، والتلوين، وإضافة المكونات والكتل البصرية، ليحصل في النهاية على صورة من تأليفه وابتكاره، تختلف اختلافاً جذرياً عن الصورة المبدئية التي بدأ عمله عليها... والأهم من ذلك، بطبيعة الحال، أنها تعكس تصوراً عما يجب أن تكون عليه الصورة الجديدة، لا يخدم إلا مصالح صاحبه.

نحن لا نتحدث هنا عن إنتاج الصور والأفلام، ولكننا نتحدث عن إنتاج "هوية الإنسان وسماته الوراثية".

لقد تطور "علم الجينوم" تطوراً كبيراً في العقدين الأخيرين، وهو أحد فروع علم الوراثة، حيث يهتم بدراسة المادة الوراثية في أجسام الكائنات الحية، ويتضمن المجال العلمي لتلك الدراسة جهودا مكثفة لتحديد تسلسل الحمض النووي "دي إن إيه" DNA بشكل كامل ورسم الخرائط الدقيقة للجينوم.

في شهر أبريل من عام 2003، اكتملت دراسات مشروع الجينوم البشري، بالولايات المتحدة الأميركية، وتوافرت معلومات ثمينة بشأن تسلسل القواعد في "دي إن إيه" DNA، وقد خلص هذا المشروع إلى أن نحو 99.9% من المعلومات المتوافرة في المورثات متماثلة عند جميع الناس، وأن الفروق الصغيرة المتبقية هي المفتاح المميز لشخصية الإنسان ووظائف جسمه. ومع أن هذه الفروق لا تسبب عادة مشكلات تتعلق بنمو الفرد وتطوره، أو بوظائفه الحيوية، إلا أنها قد تؤثر في استعداده للتعرض لمشكلات صحية معينة، وقد تحدد كيفية تفاعل الجسم مع عوامل مختلفة.

وكان من جملة فوائد هذا المشروع تطور الدراسات الخاصة بالعلاج الجينومي، التي تبحث في تحديد التداخلات Interactions بين المورثات والعقاقير الدوائية.

وبقدر ما يمنح هذا الاكتشاف البشرية الأمل العريض في التعرف الدقيق إلى الصيغ الوراثية للمرضى، وبالتالي التدخل السريع السلس لعلاجهم عبر التأثير في التركيب الجيني المعطوب، بقدر ما يفتح الأبواب الواسعة أمام فرص استخدام هذا التطور كأداة للتحكم في هوية البشر.

في 20 ديسمبر 2015، كان العالم الراحل، الحاصل على جائزة نوبل، أحمد زويل يتحدث في منتدى علمي، بالقاهرة، حين قال إن "الاكتشافات الجينية سيكون لها تأثير كبير في الحروب المقبلة".

ومن خلال "مدينة زويل للعلوم" التي أنشأها في القاهرة، استطاع هذا العالم أن يطور بعض الأبحاث الجينية خصوصاً في ما يتعلق بالتركيب الجيني لبعض الحيوانات، وقد انطلق في استشرافه هذا من قاعدة علمية عريضة وثرية.

إذا صح ما توقعه زويل، فإن ذلك يعني أنه سيكون بمقدور بعض الدول أن تمتلك وسائل لتغيير جينات أعدائها، عبر امتلاكها القدرة على التلاعب في الخرائط الجينية للشعوب المستهدفة، بما يفقدها القدرة على الدفاع.

واستناداً إلى ذلك رأى هذا العالم أن الحروب المقبلة قد لا تكون في حاجة إلى استخدام الدبابات والطائرات بقدر حاجتها إلى استخدام تلك الوسائل العلمية.

لقد نشأ علم جديد اتخذ اسم "علم اجتماع الجينوم"، وهو ينطلق من فكرة أن التحكم في الجينات يعني القدرة على تغيير مفردات الحمض النووي للإنسان، وهو الشيء الذي يحدد من نكون، وكيف نُعرف بين الناس بما نحن عليه.

سيكون بمقدور علماء العلاج الجيني أن "يحسنوا النسل"، عبر إزالة الجينات المورثة للأمراض والأعطاب، وأن يؤثروا في جينات أخرى لتكسب الشخص الخاضع للعلاج سمات "بيولوجية" جديدة، وهي سمات ستكون لاحقاً مورثات ثقافية وذهنية واجتماعية.

يقول العالم "إدوارد ويلسون" إن "المكونات الوراثية تحكم الثقافة"، وبالتالي فإن التعديلات التي سيتم إجراؤها يمكن أن تطول السمات البيولوجية للأجيال المقبلة، وبالتالي ستطول سماتها الثقافية والاجتماعية.

يعني هذا ببساطة أن النجاحات المذهلة التي يحققها الباحثون في مجال "الجينوم" ستقود البشرية إلى إمكانية تحديد السمات البيولوجية والاجتماعية والثقافية والذهنية لأجيال جديدة.

وستقوم أجهزة الاستخبارات النافذة باستخدام هذا التطور في الحروب، لكي تحول أعداءها إلى شعوب عاطلة لا تصلح للدفاع ولا الهجوم، وستقوم المختبرات الربحية بتصميم ذرية تحمل سمات التفوق كما يراها دافعو الأموال، ليحصلوا على نسل متفوق، يتحلى بالسمات الأعلى من وجهة نظرهم.

وفي جميع الأحوال، فإن "النسل المتفوق" الذي سندفع لنحصل عليه لن يكون سوى "صورة الغالب" في عالمنا، الذي قد يكون عدواً لنا، وهي صورة لا تشبهنا، ولا تعكس مواريثنا وخصوصيتنا.

وكما بات الضعفاء مستلبين لثقافة الأقوى والأذكى والأعلى في عالم "التطور اللامتكافئ"، فإنهم قد يصبحون أيضاً مستلبين لتركيبه الجيني وصورته البيولوجية والذهنية، وهو أمر خطير، لم تدركه أسوأ كوابيسنا على مدى آلاف السنين.

* كاتب مصري