ما أصعب الكلام! هذا أقل ما يمكن أن يقال في التعبير عما شهدته مصر الشقيقة من مأساة، ما أصعب ما قد تقوله وأنت ترى النيل الخالد دامياً باكياً، وترى الأهرامات تكفكف دموعها وترى الحضارات حزينة غاضبة.

مصر التي في خاطري، ومصر التي عرفتها منذ طفولتي هي مصر التي تعانقت فيها الحضارات وتمازجت فيها الثقافات، مصر الفراعنة، والفاطميين، والإخشيديين، والمماليك، والأيوبيين، والطولونيين، والعثمانيين... إنها كل تلك الحضارات بثقافاتها، وبما خلفته من إرث للبشرية، هي صاحبة الميراث الذي لم تخلفه أرض مثلها.

Ad

تلك مصر التي في خاطري والتي أعرفها، إنها الأرض التي اتّحدت فيها ديانات السماء كلها... وهي التي كانت مهداً للإبداع، وموطناً للمبدعين... يختلف الناس فيها لكنهم مجمعون على حبها وعشقها.

إن مذبحة الكنيستين أبكتني مثلما أبكت كل شوارع مصر وكل من يحبها، وأحزنتني مثلما أحزنت حضاراتها وآثارها، فبأي شرع وبأي شريعة يُقتَل الأبرياء؟

ليس للإرهاب حدود، وليس له فكر يبرره، وليس هناك دين على الأرض يبيح قتل الأبرياء وإبادتهم؛ فالذين يتشدقون بالإسلام لا يفهمونه ولم يقرأوه، فأين موقع الإسلام مما شهدته مصر في مذبحة الكنيستين؟ بل أين أي دين من هذا؟

مَن لطخ كنائس مصر بدماء أبنائها؟ ومن نثر أشلاء الأطفال والأبرياء على مقاعدها؟ من أبكانا كما أبكى النيل والأهرام والمسلات غير زمرة من المغالين في دين لا يعرفونه جيداً؟ ألم يقرأ هؤلاء أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أوصى عند وفاته فقال: «الله، الله، في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله»... (رواه الطبراني).

فأين هواة القتل والتفجير والتدمير من وصية الرسول الكريم؟ لقد أبكى هؤلاء، الذين لا يعرفون من الدين شيئاً غير أنهم يتحججون به في الحق والباطل... أبكوا مصر مثلما أبكونا على أرواح طاهرة لا ذنب لها ولاحول لها ولا قوة.

ستبقى مصر شامخة مثل أهراماتها وأكثر، وستظل قوية بوحدة طوائفها ومللها، وبتعاضد كل أهلها، وستبقى منارة كما عهدناها دوماً وتحت أشد الظروف قهراً، مصر هي الأقوى، وهي الأبقى وهي كذلك، فهي دائماً مصر الولّادة... عزائي لنا ولكل أهلنا في بلاد النيل الخالد، ومصر التي في خاطري... ستبقى دوماً في خاطري.