عندما أنهيتُ رسالة الدكتوراه في جامعة لايدن عام 1997، كانت فرص العمل في هولندا حالكة، وعندما سمعتُ أن ثمة فرصة للتعليم فصلاً واحداً في الجامعة الأوروبية المركزية في بودابست، كنت أجهل ذلك المكان تماماً، إلا أنني قبلت العمل لأنني رغبت في استكشاف معنى الحياة في "عالم ما بعد الشيوعية"، ورحبت أيضاً بفكرة أن أكون أقرب، مجازياً وفعلياً، من شريكتي آنذاك، وكانت سلوفاكية.

عملتُ في الجامعة الأوروبية المركزية طوال سنتَين، كان كل الطلاب تقريباً من دول شيوعية سابقة، من أرمينيا إلى أوزبكستان، في حين أتت هيئة التدريس بغالبيتها من أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، أما اليوم فيشمل طلابي السابقون بروفيسوراً في جامعة يال ونائب رئيس جامعة في المنطقة، وما كان هذان الطالبان وأمثالهما ليبلغوا المكان الذي وصلوا إليه لولا الجامعة الأوروبية المركزية، التي قدّمت لهم فرصة مموَّلة بالكامل للتمتع بأعلى مستويات التعليم الغربي.

Ad

الجامعة الأوروبية المركزية جامعة أميركية-مجرية معترف بها في كلا البلدين، أسسها ويمولها المستثمر الأميركي-المجري والمحسن جورج سوروس، صحيح أنها من أرقى الجامعات المجرية في العالم، إلا أن علاقتها ببلدها المضيف معقدة، أو بالأحرى علاقتها بفيدس- الاتحاد المدني المجري وقائده رئيس الوزراء الحالي فيكتور أوربان مضطربة، فقد قدّمت إدارة أوربان لتوها مسودة قانون يمكن بموجبه طرد الجامعة الأوروبية المركزية من المجر. لا تشكّل هذه الخطوة بحد ذاتها مفاجأة، بما أن الجامعة الأوروبية المركزية تمثل كل ما يكرهه أوربان: إنها ناقدة، عالمية، مستقلة، متعددة الثقافات.

كنت أعمل في الجامعة الأوروبية المركزية عام 1998 عندما تسلّم أوربان زمام السلطة، صحيح أن منحة سوروس أتاحت لأوربان متابعة دراسته في جامعة أكسفورد، مما ساعده في أن يصبح محبوب المؤسسة السياسية الغربية، إلا أنه صار ينتقد شبكة سوروس، التي تشمل إلى جانب الجامعة الأوروبية المركزية "منظمات المجتمع المفتوح"، علماً أن هذه المنظمات شكّلت آنذاك ثالث أكبر مستثمر في التعليم العالمي في المنطقة (بعد ألمانيا والولايات المتحدة) وتُعتبر راهناً إحدى أكثر المنظمات غير الحكومية نفوذاً في العالم. ناقشَت حكومة أوربان مبادرات عدة استهدفت الجامعة الأوروبية المركزية، منها سحب اعتمادها الأكاديمي في المجر، ولكن في نهاية المطاف لم يتحقق أي من كل ذلك.

حدثت هذه التطورات قبل 20 عاماً، فكان أوربان قد بدأ لتوه باستعراض عضلاته الاستبدادية، إلا أنه كان لا يزال يُعتبر سياسياً يمينياً موالياً للغرب، علاوة على ذلك كان الإطار العالمي مختلفاً، وكانت الولايات المتحدة تدافع بشراسة عن القوى الموالية للغرب في المنطقة، في حين كان الاتحاد الأوروبي أكثر المؤسسات احتراماً في أوروبا، لكن أوربان ما عاد اليوم محبوب المؤسسة الغربية، بل تحوّل إلى نموذج للديمقراطيين غير الليبراليين في أوروبا، من مارين لوبان في فرنسا إلى الحكومة الراهنة في بولندا.

يعتقد أوربان أن زمن الديمقراطية الليبرالية قد ولّى وأن عهد الليبرالية الوطنية قد حل، ومن الواضح أنه هو مَن أطلقه في المجر، ولا شك أننا صرنا ندرك اليوم أن أعمال أوربان لا تُعتبر مجرد شأن داخلي، أولاً المجر عضو في الاتحاد الأوروبي وعليها أن تحترم قوانينه. ثانياً أصبحت المجر قائد نزعة الديمقراطية غير الليبرالية في أوروبا وطموحات الديمقراطيين غير الليبراليين في المنطقة، ونتيجة لذلك لا يقتصر الصراع بشأن الجامعة الأوروبية المركزية على تلك الجامعة بحد ذاتها، بل يشمل كل الجامعات: إنه صراع حول الديمقراطية الليبرالية. وإن لم نأخذ موقفاً راسخاً فسنُضطر قريباً إلى مواجهة تدابير مماثلة في بولندا ودول أخرى. آن الأوان لنكف عن استرضاء أوربان لأن محاولتنا هذه فشلت ولم تدفعه إلى الاعتدال، كما يواصل قادة حزب الشعب الأوروبي الادعاء، بل على العكس أدت هذه الخطوة إلى دفع آخرين إلى التطرف وأفرغت قيمة الاتحاد الأوروبي، التي يدعي حزب الشعب الأوروبي تأييدها، من معناها. وقبل أيام وقفت ميركل بقوة في وجه أوربان، فيما راح ينتقد سياسة اللاجئين التي اعتمدها في خطابه اليميني المتطرف المناهض للمسلمين، الذي صرنا نألفه جيداً، في لقاء حزب الشعب الأوروبي في مالطا. حان الوقت ليختار هذا الحزب بين ميركل وأوربان، وبين الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية غير الليبرالية، وبين مشهد عالمي تُشجَّع فيه الجامعات على أن تكون ناقدة ومستقلة ومشهد عالمي تُهدَّد فيه الجامعة الناقدة والمستقلة بإقفال أبوابها.

* كاس ماد

* «الغارديان»