يُنظر إلى المتعة بوصفها حكماً أساسياً في قراءة أي كتابة إبداعية، سواء كانت في المسرح أو القصة أو الشعر أو الرواية. بل يتعدى الأمر ذلك إلى أي قراءة. فالمتعة جزء أساسي في تقبّل القارئ للمادة المقروءة، وهي سبب مباشر لاستيعاب مادة الكتاب، والتعلق بها وتذكّرها. وربما هذا ما يؤخذ على رواية "أوليسيس-Ulysses" للكاتب الايرلندي "جيمس جويس-James Joyce" (1882-1941) التي يُنظر إليها كواحدة من أهم الاعمال الروائية التي كتبها إنسان، وتقف صعوبة قراءتها حائلاً دون وصولها لجمهور القراء حول العالم.

إن وصول أي كتاب إليَّ، خصوصاً إذا كان ممهوراً بإهداء، وكان لكاتب شاب، يحتم عليَّ قراءة هذا الكتاب للوقوف على عوالمه. ويأخذ الأمر منحى آخر حين يكون الكتاب لكاتب زميل له خبرته الواسعة، وقلمه المقروء، وبالتالي أتلقف الإصدار الجديد بوصفه لقاء مرتقباً مع متعة رائقة.

Ad

في الأسبوع الفائت أمسكت بكتاب لأحد الأصدقاء، وما إن بدأت القراءة، ومع الصفحات الأولى وجدتني أنفر من الكتاب والموضوع. قلت لنفسي: "ليس كل كتاب يمنح نفسه مع صفحاته الأولى". وقلت: "مؤكد أن الصفحات القادمة ستكشف عن تشويق ومتعة."

أكملت سيري في طريق القراءة، فالكاتب صديقي، وحسن الصداقة يفرض عليَّ أن أكمل قراءة كتابه الجديد. فمتى ما انعقد اللقاء بيننا فسيبادرني بالسؤال عن كتابه، وسأبدو محرجاً لحظة أخبره بعدم قراءتي لكتابه... ظلت مادة الكتاب ثقيلة وبائسة، وظل إحساسي بالنفور من الكتاب يصاحبني في كل فقرة.

"لست مجبوراً على إكمال القراءة".

استوقفني هاجسي: "كثيرة هي الأشياء المزعجة من حولنا، ولا يصح أن تُضاف لها قراءة كتاب".

توقفت لبرهة أتفحص الكتاب. كنتُ قد بدأت القراءة مؤملاً نفسي بمادة مشوقة، لكن ظني خاب، حتى وأنا لم أبلغ منتصف الطريق. خفت أن أصدر حكمي القاسي، لذا قررت: "سأكمل القراءة علّ الصفحات التالية تكون مشوّقة أو نابهة بفكرتها".

بقيت أتجرع الصفحة تلو الأخرى، حتى اعتدلت في جلستي ووضعت الكتاب جانباً، وقلت: "كفى، لماذا أغصب نفسي على قراءة كتاب لا أحبه؟"

القراءة متعة، ومتى ما تحولت هذه المتعة لمشقة ونفور لزم الابتعاد عنها. وأخافني هاجس يقول: "كره القراءة قد يكون معدياً يتسرب ليؤثر على قراءة كتاب آخر".

إن سهولة النشر التي وفّرتها القفزة التقنية الهائلة خلال العقدين الأخيرين، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حركتا شهوة الكتابة، وربما صخب الشهرة لدى الكثيرين، وترتب على ذلك أن انبرى أناس كثر للكتابة، وهم ليسوا أكفاء لها. فالكتابة في أي مجال من مجالات الحياة وكأي ممارسة إنسانية بحاجة إلى الإلمام بعناصرها وشروطها قبل الدخول إليها. وهي أيضاً بحاجة إلى خبرة حياتية تسندها، وأخيراً هي بحاجة إلى مراجعة شخص مختص، يكون بمنزلة الضوء الأخضر لعبور الكاتب إلى جمهور التلقي.

قد يتهيأ للبعض أن القراءة عملية سهلة مقارنة بالكتابة. وهذا صحيح إلى حدٍ ما. لكن ما هو صحيح أيضاً أن القارئ المحترف يقرأ اختياراته من الكتب، تحت وقع وعيه وخبرته وحاجته، وأخيراً استمتاعه. وهو قبل هذا وذاك يقرأ ما يقرأ على حساب وقته. وإذا ما نظرنا إلى عجلة العصر المجنونة، فإن الإنسان ما عاد يمتلك بحبوحة من الوقت تمكّنه من تضييع وقته في قراءة كتاب ثقيل دون تشويق.

سأقرأ كتاباً أحبه، مستشعراً متعة لذيذة في تصفح أوراقه، وسألهث مع أحداثه، كي أصل إلى خاتمته. ومؤكد أنني لن أغصب نفسي على قراءة كتاب وكأني أتجرع دواءً مراً حتى لو كان لصديق أو كان لكاتب معروف ومشهور. فلا الصداقة ولا الشهرة تبرر القسوة على لذة القراءة الباذخة.