خلال القمة العربية التي انعقدت نهاية الشهر الماضي في الأردن، بدا أن ثمة خلافاً بين زعماء على الطريقة التي يجب أن تتبعها الدولة العربية في مواجهة الأعمال الإرهابية.

لقد ظهر أن بعض الزعماء يعتقدون أن الحسم العسكري يجب أن يكون بداية أي مواجهة للأنشطة الإرهابية، ثم تأتي بعده مجموعة من الوسائل الأخرى؛ مثل التنمية والمواجهة الفكرية، في مقابل زعماء آخرين أظهروا اهتماماً أكبر بالأبعاد الحقوقية والإنسانية والاقتصادية، وعبروا عن اعتقادهم بأن المواجهة المسلحة ليست البداية الناجعة للتعاطي مع مشكلة الإرهاب.

Ad

لا يخلو هذا الانقسام إزاء وسائل مواجهة الإرهاب، وتراتبيتها، من توظيف سياسي بطبيعة الحال؛ ومع ذلك فإن ثمة ما يعزز هذا الانقسام في الوسط البحثي والأكاديمي؛ إذ اختلف باحثون ومفكرون حول ما إذا كانت الظاهرة الإرهابية نتاج فكر وأيديولوجيا وقيم في المقام الأول، أم أنها نتاج اعتبارات مادية ومصالح ذاتية وأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية في المرتبة الأولى.

إن تقصي الأسباب التي تدفع الإرهابيين إلى شن هجماتهم علينا، وفهم الدوافع التي تحركهم، عمل ضروري وبداية منطقية لوضع الاستراتيجيات الناجعة لتقويض مخططاتهم ودرء أخطارهم.

يقول الباحث الأميركي "بريان فيرغسون"، في بحثه المهم "عشر نقاط في الحرب" Ten Points on War، إن ثمة عشرة مداخل نظرية واجبة لفهم ظاهرة اللجوء إلى العنف في التاريخ البشري، ومن بين هذه المداخل، تأتي نقطته الثالثة التي تُفَصّل هيكيلة صنع قرار ممارسة العنف.

يرى "فيرغسون" أن قرار ممارسة العنف يُتخذ وفق "هيراركية" معينة، ولتبسيط الأمر فإن عملية اتخاذ هذا القرار يمكن أن تمر عبر مثلث، قاعدته تتضمن "البنية الأساسية" للقرار نفسه Infrastructure، أي الذرائع الأساسية للقرار والسلوك والممارسة، ويحدد تلك الذرائع في الإجابة عن السؤالين: لماذا نقاتل؟ وبماذا نقاتل؟

يؤكد هذا الباحث، ومعه عشرات الأكاديميين والمتخصصين في علوم الحرب والإرهاب، أن المصالح الشخصية للأفراد والجماعات، بما تتضمنه من مطالب أو مظلوميات تأتي على رأس الأسباب التي تدعو إلى اتخاذ قرار ممارسة العنف.

ويرى أن الأبعاد الأيديولوجية والقيمية والأخلاقية ليست الأساس الذي ينبني عليه قرار استخدام العنف أو الذهاب إلى الحرب أو شن العمليات الإرهابية.

ويستند في استخلاصه هذا إلى الكثير من الدراسات والأبحاث التطبيقية، فضلاً عن استعراضه عددا من الوقائع التاريخية التي تنتصر لهذا التحليل.

يعتقد "فيرغسون" أن "حزب الله" يقاتل بالموارد، والتمويل، وتقنيات الحرب اللامتماثلة التي توفرها له بيئته وطبيعة تمركزه، كما أن الأكراد في جنوب شرق تركيا، والمتمردين في دارفور؛ مثلهم مثل المقاتلين الفيتناميين الشماليين، الذين لم يكن بإمكانهم الصمود في القتال ضد الولايات المتحدة من دون موارد مناسبة وذرائع ترتبط بمصالح كل منهم أو مصالح الجماعة.

يقود هذا إلى الاعتقاد أن الجغرافيا اليمنية، والبنية الاجتماعية، والعوامل الموضوعية المتمثلة بالدعم الإيراني، أكثر أهمية في دفع الحوثيين إلى القتال إذا ما تمت مقارنتها بالأيديولوجيا أو القيم، وهو أمر يمكن أن ينطبق على "القاعدة"، أو "داعش"، وغيرهما من الجماعات.

لا يمكن لـ"داعش" بحسب هذا التحليل أن يقاتل في الأراضي السورية إذا لم يكن لديه موارد طبيعية كافية، وإمدادات سلاح، وتدفقات من المقاتلين الذين يأتون من دول عدة.

في المرحلة الثانية، وفق "فيرغسون"، تأتي بنية القرار Structure، التي يحددها في السياق السياسي والاقتصادي للمعركة أو العمل العنفي، وهو السياق الذي قد يؤدي إلى تكوين تحالفات، أو يعزز المواجهات، وبالتالي يفقد الإرهابيين ذرائع شن الهجمات أو يقلل منها. وأخيراً تأتي المرحلة الثالثة Superstructure، حيث دور الأيديولوجيا والقيم، التي تأتي وفق هذا التحليل لكي توفر أساساً فكرياً وأخلاقياً يمكن أن يكون مقنعاً للمقاتلين.

يقودنا هذا إلى خلاصة جديدة تفرض التركيز على الأسباب المصلحية المباشرة وموارد العنف المادية والسياق الذي تجري فيه المواجهة بموازاة الاهتمام بالاعتبارات القيمية والأيديولوجية في تحليل دوافع الإرهاب.

يقول "فرهاد كوسر كافار" مدير الأبحاث في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية الفرنسية، في حوار أجرته معه مجلة "عشرون دقيقة" الفرنسية، في شهر مارس 2017، إن نحو أربعة آلاف أوروبي التحقوا بالجماعات الإرهابية في الأراضي السورية والعراقية، وإن العدد الأكبر بينهم ذهب لأسباب تتعلق بضغوط يواجهونها في المجتمعات الغربية، أو بأغراض التقليد وحب المغامرة، قبل أن "تأتي الأيديولوجيا لكي ترسي الأساس الأخلاقي لاتخاذ قرار الانضمام إلى الجماعات الإرهابية".

إن هذا الاستخلاص يوضح أن أدوار ضرب الإرهابيين والحد من تدفقهم إلى الأراضي والمواقع التي يمكن أن يشنوا منها هجماتهم مهمة تماماً مثل أدوار المواجهات الفكرية لذرائعهم.

يرى "روبرت سيالديني"، في كتابه "التأثير"Influence، أن الذرائع الأيديولوجية كانت مجالاً للتلاعب والتكييف من قبل الجماعات ذات الارتكاز الديني، بشكل يحرفها ويلويها لكي تتوافق مع الأسباب المادية الدافعة إلى اتخاذ قرار ممارسة العنف.

تتفق استخلاصات "سيالديني" إذاً مع ما يقوله "فيرغسون" و"كافار" ومدرسة كبيرة من الباحثين والمحللين، في أن قرار الانخراط في أنشطة العنف والإرهاب والانضواء في الجماعات الحركية ذات الارتكاز الديني لا ينبع من القيم والأيديولوجيا فقط، لكنه "يأتي كذلك من البنية الأساسية المتمثلة بالإجابة عن السؤالين: لماذا يقاتلون؟ وبماذا يقاتلون؟".

سيفرض هذا الاستخلاص مراجعة شاملة لكل الجهود التي تستهدف تجفيف منابع الإرهاب، بالتركيز على الجوانب المادية والاجتماعية والنفعية الملموسة للجماعات الإرهابية وأفرادها، بموازاة مواصلة الجهود لمواجهة "الأفكار والقيم والأيديولوجيا"، التي ثبت أنها ليست سوى غطاء مفبرك لأهداف وذرائع وموارد لا تمتّ لها بصلة.

وسيقود هذا إلى اعتبار أن الخلاف الذي ظهر بين بعض القادة في القمة العربية الأخيرة لم يكن غرضه سوى التوظيف السياسي وكسب النقاط في إطار عملية تضاغط سياسي بين أطراف تتصادم مصالحها.

الإرهاب والعنف شران يجب مواجهتهما بالسلاح والتدابير التي تحد من دوافعهما المادية والفكرية والإنسانية بالتوازي لا على التوالي.

* كاتب مصري