كنت آليت على نفسي أن أعطي هذا المجلس فرصة كافية للتأكد من مساره بعد تجارب مؤسفة عشناها مع المجالس المبطلة والمعطَّلة والفاقدة للأهلية السياسية، لكن ما حصل منذ باشر المجلس الحالي أعماله ربما يدفعني إلى الترحُّم على المجالس السابقة، خصوصاً أن الآمال التي علقت عليه بوصفه ناجماً عن خيار شعبي كامل أنهى مقاطعة الصوت الواحد، تحولت إلى خيبة كبيرة.

يكفي أن نلاحظ إقرار المجلس لمشروعين يتيمين منذ بداية دور الانعقاد الحالي، ليتبين لنا مدى الهدر في الوقت ومدى التلهي بالمماحكات السياسية بدل الانكباب على التشريع والإنجاز وإصلاح ما تمَّ إفساده من قوانين في المجلس السابق يتم التراجع عنها بالتدريج سواء قانون البصمة الوراثية أو "المسيء" أو "الأحداث"، على سبيل المثال.

Ad

غير أن أسوأ ظواهر الحياة السياسية البرلمانية الحالية يتمثل في سيل التهديدات بالاستجواب بداعٍ ومن غير داعٍ. فالنواب الكرام رأوا على ما يبدو أن الصراخ والشعبوية والتكسب الانتخابي أفضل من التشريع، وأن ابتزاز الحكومة أكثر فائدةً من التعاون معها. نسي السادة النواب أن السؤال البرلماني هو أداة رقابية حقيقية، وأن المؤتمر الصحافي الهادف يمكنه مساندة السؤال، وأن الإعلام طريقة إضافية للضغط، وأن الوسائل كثيرة لتحقيق الأهداف. فلماذا يستسهلون الاستجواب؟ ولماذا يسخِّفون هذه الأداة عبر المبالغة في استخدامها؟

أحب أن أذكّر الإخوة النواب أن الدكتور أحمد الخطيب وجاسم القطامي وأحمد السعدون وجاسم الصقر، لم يقدّموا أي استجواب طوال حياتهم البرلمانية، وكذلك فعلت أنا أيضاً، رغم أننا كنا دائماً في مواجهة الحكومات وسياساتها وكنا أكثر شراسة في الدفاع عن حقوق الناس والحريات ودولة القانون. فلماذا يكرسون ممارسات تجعل المواطنين يستغربونها وتفتح الباب لأصحاب النوايا السيئة والسلطويين وأعداء الديمقراطية للمطالبة بالانقضاض عليها؟

شهدتُ بالأمس سيل التلويح بالاستجوابات لكنني تابعت عن كثب مجريات استجواب الوزير سلمان الحمود. ومع اعتقادي بأنه فشل في مهماته سواء في الرياضة أو في الإعلام، فإنني أعتبر أن الاستجواب لم يكن ناجحاً وأن النواب تعسفوا في استخدام الأداة وباتوا ينفذون أجندات سياسية تتجاوز حق الرقابة، في لعبة موازين قوى تضر بالبلاد.

رغم ما تقدم فإن أكثر ما يؤسفني هو أن تكون البلاد واقعة بين سندان حكومة الغياب والإرادة المشلولة وبين تعسف النواب المتأبطين شراً. هذه حال لا يمكنها أن تستمر، وإن استمرت فستجر الوبال على ديمقراطيتنا وعلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، وستفسح المجال للاصطياد في الماء العكر للنكوص عن منجزات الشعب الكويتي... ولذلك أدعو الحكومة إلى أن تستفيق من غيبوبتها والمجلس أن يهدأ ويعود إلى صراط الديمقراطية المستقيم.