تبرهن الحرية على أنها الفضاء الذي تختنق فيه الشرور السياسية وتضمحل، وتأسيساً على ذلك ليس ثمة ما يمكن أن نسميه بالحرية الفائضة عن الحاجة أو تلك المتجاوزة للحدود، فهناك على النقيض من ذلك نقص مستدام للحرية حتى في الدول المتقدمة التي تضرب جذورها الحضارية في أعماق التاريخ.

ومثلما هو معروف تتعرض الحرية للهجوم والأذى في كنف الأنظمة الشمولية والاستبدادية، وهذه في الأقطار العربية لم يعد نموذجها الساطع الأنظمة إياها التي تهتدي في سياستها لرعيتها بالقسوة والعنف، بل كذلك الأخرى التي تهندس بصبر وعلى نحو يتسم بالعزم والمثابرة ترتيبات سياسية واجتماعية تضع السكين على رقبة الحرية.

Ad

أكثر هذه الترتيبات شيوعا اعتماد المفاهيم العائلية لتوصيف العلاقات السياسية، كأن يتم الحديث عن كيان مجرد كالدولة بوصفها الأم الحانية، أو تكون صناعة القرار تعبيرا عن الأبوية السياسية، فما هو مثير للقلق في سياسات كهذه محو الأفراد بوصفهم ذوات مستقلة قادرة على الفعل واتخاذ القرار.

ويعضد من تأثير هذه السياسات ويعززها، الوجود الدائم لحفنة من الخبراء بالشؤون الروحية والدنيوية الذين يعرفون تماما الكيفية التي يجب أن يحيا فيها الفرد حياته، بدءا من التفاصيل الصغيرة كالكيفية التي يتناول فيها طعامه ويبدأ بها يومه مرورا بالكيفية التي ينشئ وفقا لها ذريته وانتهاء بعلاقته بالسلطة ومصيره الوجودي.

إن هذا التنازل المهين للإنسان عن حريته وتسليمها للآخر كي يقرر عوضا عنه ما هو الخطأ والصواب، ومن ثم معنى الحياة التي يعيشها، هو الباب العريض للاستبداد والطغيان، فالأنظمة الكارهة للحرية والتي تضيق ذرعا بها هي تلك التي تعتمد منذ البدء حيلة ماكرة قوامها أن الأفراد يعانون قصوراً في التفكير، ويجب على سلطة ما أن تعينهم في عملية اتخاذ القرار الصائب، وإن كان ذلك كراهية وضد إرادتهم، وأحيانا باستخدام القوة العارية إن تطلب الأمر ذلك.

الخبراء إياهم والسلطة المناهضة ضمنا أو صراحة للحرية تجمعهم الرغبة في زعزعة ثقة الفرد بقدرته على اجتراح قراراته الخاصة، وأبعد من ذلك أن الاثنان يحرمان المرء من جانب فائق الأهمية في ممارسة الحرية، وهو حرية الأفراد في اتخاذ قرارات غير صحيحة.

والشرور الاجتماعية تنطلق عن عقالها حين يتم التزاوج بين الاثنين سواء أكان عرفيا من خلال صفقات سياسية-اجتماعية أم مشهرا عند استضافة هؤلاء الخبراء في بيت السلطة، وكما نشهد راهنا فالمعركة ضد الفساد في العالمين الواقعي والافتراضي تدور رحاها ضد هذه الشراكة الهزيلة.