ارتيادُ نشاطات لندن الثقافية صار أيسر الآن. إنه مطلع الربيع؛ حيث درجة الحرارة رؤوفة بالبشر من أمثالي، وحيث الخضرة تعاود درجاتها، في حدائق البيوت والشوارع والحدائق العامة، وحيث الأشجار المثمرة وغير المثمرة تُزهر بيضاء، وردية، حمراء.

ألْيقُ النشاطات بهذا الموسم، وِفقَ ذائقتي، معارض الرسم (على أن أتجنب احتيالات فناني ما بعد الحداثة)، والأوبرا. الأولى متيسرة لي، ولكن الثانية متعسرة بفعل غلاء التذاكر في دار الأوبرا الملكية في الكوفن غاردن بصورة خاصة. ولكن عصر التنوير، الذي مازال يغذُّ الخطى باتجاه صالح الإنسان، وفّر تقنيةً، شاعت منذ سنوات، تنقل العروض الحية للأوبرا، والباليه والمسرح، إلى شاشة السينمات المتقدمة تقنياً بدورها. في حقل الأوبرا الذي أحبه، يتم النقلُ عادة لعروض أعظم دارين للأوبرا في عالم اليوم: دار الأوبرا الملكية ROH في لندن، ودار الميتروبوليتان Met في نيويورك. ثمة أكثر من سينما تقدم هذه العروض، وعادة ما أنتخب الأقرب، عبر مواقعها في الإنترنت.

Ad

مع الرسم زرت معرضين كبيرين؛ الأول في (Tate Britain) للبريطاني الذي يقيم في سان فرانسيسكو، ديفيد هوكني (مواليد 1937)، والثاني في (National Gallery) لاثنين من عصر النهضة المجيد، ربطتهما صداقة مثمرة، حين التقيا في روما، هما مايكلانغلو (توفي في 1564) من فلورنسا، وسيباستيانو (توفي في 1547) من البندقية. ولعل جمعهما في معرض واحد بسبب هذه الصداقة ينطوي على مفارقة.

إن معظم زوار المعرض، وأنا منهم، لا يعرفون إلا القليل القليل عن سيباستيانو، وقد يجهلونه تماماً. في حين يعرفون عن مايكلانغلو الكثير الكثير.

يُروى أن مايكلانغلو قد اتخذه صديقاً، وهو منشغل في رسم سقف الفاتيكان الشهير، لدعمه نصيراً في مواجهة رافائيل، الذي لا يقل شهرة وأهمية. ولكنها فرصة على كل حال للتعرف على فنان بارع، في استخدام اللون، وفي فن البورتريت. لك أن تتأمل من الأول لوحة Pietà (شفقة) وتجدها بيسر في الإنترنت، للسيدة العذراء وجسد ابنها الميت. ومن البورتريت صورة رائعة للرحالة كولمبس Christopher Columbus.

مع هوكني دخلتُ حقول ألوان وتقنيات في رسم الطبيعة والشخوص بالغة العفوية والغنائية. لقد ترك هوكني بلده انكلترا إلى أميركا، ما إن قوي عوده الفني في الستينيات. ولعل ميولَه المِثلية دافعٌ لا يقل أهمية، ففي سان فرانسيسكو رحابة لنوازعه قد لا تكون متوافرة في إنكلترا حينئذ. ومع الاحتراس خلّف وراءه المناخَ الشمالي الممطر، الكئيب، الرمادي، وفي العالم الجديد غمرت لوحته الألوان، الأفقُ المشمس، والمياه التي تعكس زرقة السماء، إلى جانب المسرات، وهي جسدية في الأغلب. لوحته مؤثرة، كما وصفها أحد النقاد، رقيقة، بذيئة، شبقة، مبتكرة ومزعجة، مع مسرات كثيرة. ولكنها خلطة لونية لا تتردد في الاستجابة لها.

الاستعداد للأوبرا داخل بهو السينما لا يختلف عنه في دار الأوبرا. الجمهور من الطبقة الوسطى، والأعمار الوسطى، وما فوق: في فرصة الاستراحة يمتعون النفس بقطعة سندويتش وكأس. مع أن الفرصة عادة ما تُطعَّم بعرض حوارات مع المغنين والمخرج وقائد الأوركسترا.

الأوبرا كانت La Traviata الشهيرة، للشهير فيردي. عن رواية "غادة الكاميليا" المعروفة في العربية. لاشك أن الكثير منا داخل البهو يردد الألحان الساحرة في الرأس لا في الحنجرة طبعاً. ولعل الإيطالي وحده القادر على انشادها في الشوارع. إنها قصة الغانية فيوليتا (تغنيها السوبرانو البلغارية Sonya Yoncheva، مواليد 1981)، التي تتحدى بحرارةِ الجسد تقاليد مجتمعها وسط العشاق والمعجبين. يتعلق بها الفريدو (التينور الأميركي Michael Fabiano، مواليد 1984)، ويعترض أبوه مهدداً، فتنهار الغانية تحت وطأة مرض السل في داخلها، ووطأة المجتمع الذكوري خارجها. وبعد أن كانت تُرفع على أريكة بلون أحمر الشفاه من قبل العشاق الرجال، تُترك مُهمشة لتموت مهجورة وسط المسرح المهجور.

موسيقى فيردي رائعة بصورة مألوفة كما قلت، ولكن الجديد في غناء البطلين. أداؤهما وسط إخراج ذي طابع رمزي، تتوسطه ساعة كبيرة رمز الزمن، أو الموت الوشيك، أداء مُلهم. وصوتهما لا يُنسى. كنت أود لو أشاهدها ثانية في هذا النقل الحي، ولكن هيهات.