يبدو أن الخطة التي وضعها بوتين منذ توليه رئاسة روسيا تعتمد بشكل كبير على إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط اعتماداً على مزيج من التحالفات شديدة النفعية مع أطراف سياسية في المنطقة لم يكن ممكناً تخيل وجود أي مستوى من التحالف أو التنسيق بينها وبين روسيا، والعنصر الثاني بناء وتعزيز قوة عسكرية قادرة على العودة للقيام بأدوار عسكرية خارج حدود الاتحاد الروسي، ففي وقت كانت الولايات المتحدة تركز على دورها في أفغانستان والعراق وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي والتأثير في الأوضاع السياسية الداخلية لدول المنطقة، كانت روسيا تعيد بناء جيشها وتعيد النظر في عقيدة الحرب القتالية، وبدا واضحاً سعي بوتين إلى إعادة فرض هيبة روسيا في العالم وقدرتها على أن تلعب دور البديل، ونجح في ذلك إلى حد ملحوظ، ساعدته في ذلك الأخطاء الأميركية التي ساهمت في خلق مساحات يتمدد فيها الدب الروسي العائد ليحتل مناطق نفوذ جديدة، ولقد وصل الأمر في منطقة الشرق الأوسط إلى حد أن دول الخليج العربي الحليف الأصيل لأميركا بدأت تضع في حساباتها حتمية وضع المصالح والأهداف الروسية في الاعتبار، وهو أمر لم يكن يخطر ببال أحد منذ أعوام، بل أشهر، أن يكون واقعاً.

التحول الكبير بدأ مع التدخل الروسي في سورية منذ أواخر سبتمر 2015، الأمر الذي اعتقد معه كثير من المحللين الغربيين، بل والعرب، أنه لن يدوم طويلاً وأنه غير فعال، وسيعود بالضرر على الجيش الروسي، لكن ما حدث أن روسيا من خلال هذا التدخل قد حققت عددا لا بأس به من الأهداف المهمة، أولها أنها أكدت صدقها في مساندة حلفائها، عكس الولايات المتحدة كما في نظر عدد من دول وقوى المنطقة، ووصل التأثير الروسي إلى أن روسيا أجبرت حلفاء مهمين للولايات المتحدة كتركيا وإسرائيل على اللجوء إليها والتنسيق معها في سعيهما لتحقيق أهدافهما في سورية، هذا بالإضافة إلى تحالف بوتين مع إيران، الأمر الذي شكل إزعاجا للعديد من دول المنطقة وأربك حسابات عدة.

Ad

وتعد مصر أحد أهم عناصر التحرك الأميركي الروسي في هذا التوقيت، ولا يمكن تجاهل أن الإدارة الأميركية السابقة ساهمت في سعي القيادة المصرية الجديدة إلى البحث عن تحالفات جديدة في مكان آخر. مصر ظلت محط اهتمام وتنافس الولايات المتحدة وروسيا بهدف بسط نفوذهما طوال 25 عاما، وبتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، أصبحت مصر منذ ذلك الحين واحدة من أبرز شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.

الفوضى التي حلت بمصر عقب أحداث يناير 2011 فتحت بابا جديدا أمام روسيا، في هذا الوقت تراجعت الولايات المتحدة عن دعمها لمصر بعد فشل محاولات الإدارة الأميركية السابقة في تمكين "الإخوان"، فعلقت المساعدات العسكرية بشكل مؤقت، عقب ثورة 30 يونيو عام 2013، وهو الأمر الذي خلق مناخاً سلبياً وأهّل الرأي العام لتقبل التغيير في توجهات الدولة المصرية، وفي عام 2014، وقّعت مصر مع روسيا أول صفقة أسلحة كبيرة منذ الحرب الباردة، لتمضيا قُدماً في إبرام مزيد من الصفقات المتلاحقة، ومن اللافت للنظر تقارب وجهات النظر المصرية والروسية فيما يخص الشأن السوري، إذ أعلن السيسي صراحةً أن استقرار سورية يرتكز على دعم الأسد بوصفه رجلاً قوياً، كما أن الطرفين يتشاركان دعمهما لدور خليفة حفتر البارز في ليبيا.

اللافت للنظر ذلك التناقض الكبير بين الوضع الحالي وقبل عامين عندما كان دور روسيا في المنطقة هامشياً مقارنةً بالتدخل الكبير للولايات المتحدة، وهو أمر جدير بالمراقبة والرصد.