بدأ المجتمع الأيرلندي يدرك التداعيات الحادة التي ترتبت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ونتيجة لذلك تُطرح اليوم أسئلة مهمة، منها للمرة الأولى احتمال أن تحذو أيرلندا حذو المملكة المتحدة وتخرج من هذا الاتحاد، ولا شك أن هذه الأفكار كانت ستبدو منطقية قبل نحو سنة حتى.

صحيح أن عضوية الاتحاد الأوروبي ساهمت مساهمة كبيرة في تحديث الاقتصاد الأيرلندي (وخصوصاً قدرة البلد على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الولايات المتحدة)، إلا أن قطاع الأغذية والزراعة، والسياحة، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في أيرلندا لا تزال تعتمد إلى حد بعيد على السوق البريطانية، فضلاً عن أن هذه القطاعات تحفل بالوظائف، لذلك أصدرت وزارة المال الأيرلندية توقعات اقتصادية متشائمة بشأن تأثيرات الخروج البريطاني، منها خسارة 40 ألف وظيفة، وتراجع الصادرات الأيرلندية إلى المملكة المتحدة بنسبة 30%، واحتمال انخفاض إجمالي الناتج المحلي الأيرلندي بنسبة 4%.

Ad

تعتمد أيرلندا وبريطانيا منطقة سفر مشتركة، تسمح من خلالها لمواطنيهما بالسفر إلى البلد الآخر من دون الحاجة إلى جواز سفر، كذلك يستطيعون تقييم الدعم الاجتماعي ضمن إطار صلاحيات البلد الآخر والاستفادة منه، ولا شك أن الحكومتَين البريطانية والأيرلندية ستسعيان إلى الحفاظ على هذا النظام، ولكن من المرجح ألا تقبل الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي باستمرار هذا التقارب، فمع مطالبة بعض الدول الأوروبية بمعاقبة بريطانيا، لا يبدو الجو مؤاتياً لحلول منطقية.

أضف إلى ذلك احتمال إعادة إرساء الحدود الفعلية بين الجمهورية الأيرلندية في الجنوب وأيرلندا الشمالية، والتي أُلغيت بالكامل بموجب اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، إلا أن إعادة فرضها قد ينسف بالكامل هذا الاتفاق الذي أنهى اضطرابات أيرلندا الشمالية، وتشكّل هذه على الأرجح النقطة الأكثر إيلاماً للناخبين الأيرلنديين، فسبق أن أقر رئيس وزراء أيرلندا أن تفادي هذه المشكلة سيكون صعباً.

نظراً إلى الخسائر الكبرى التي قد تواجهها، حاولت الحكومة الأيرلندية إبقاء رأسها منخفضاً ورفضت كل الدعوات المطالبة بتعيين وزير خاص لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يحظى هذا الاقتراح بدعم واسع في استطلاعات الرأي (74%)، إلا أن الحكومة فضلت الوثوق بالاتحاد الأوروبي الذي سيخوض مفاوضات مباشرة مع المملكة المتحدة نيابة عن 27 دولة، بما فيها أيرلندا، لكن كثيرين في هذا البلد يشكون في أن تضع السلطات عينها، التي فرضت عملية الإنقاذ المريعة على أيرلندا، هذا البلد في طليعة أولوياتها.

مع اتضاح القطيعة المقبلة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بدأ الرأي العام الأيرلندي يتبدّل، وفي استطلاع للرأي نُشر في صحيفة الأعمال الأيرلندية البارزة Sunday Business Post، يعتقد 56% ممن استُطلعوا أن الروابط التي تجمعهم بالمملكة المتحدة أكثر أهمية من سائر الاتحاد الأوروبي، كذلك يبلغ راهناً دعم خروج أيرلندا من الاتحاد الأوروبي في حالة مواجهتها خروجاً بريطانياً صعباً نحو 28%، علماً أن هذا الطرح ما كان يحظى بدعم يُذكر قبل سنة.

تشمل الأسئلة التي تُطرح راهناً: هل تسبب القطيعة مع بريطانيا وأيرلندا الشمالية اضطرابات أكبر، مقارنة بالانفصال عن الدول الست والعشرين المتبقية؟ لا شك أن أيرلندا والمملكة المتحدة متقاربتان أكثر من أي دولتين أخريين في الاتحاد الأوروبي من النواحي الثقافية، والتاريخية، والعائلية. فمن دون المملكة المتحدة لن يتبقى لأيرلندا حليف طبيعي داخل الاتحاد الأوروبي، بل ستتحول إلى جزيرة قبالة ساحل أوروبا الغربي تقع خلف جزيرة كبرى أخرى لا تشكّل جزءاً من الاتحاد الأوروبي.

بما أن من مصلحة أيرلندا بالتأكيد أن تتفاوض مباشرةً مع بريطانيا بشأن خروج هذه الأخيرة من الاتحاد الأوروبي، ويكون السؤال البدهي الذي يطرح نفسه: لمَ تتبع السلطات الأيرلندية المسار الراهن؟ يكمن الجواب في طريقة عمل الاتحاد الأوروبي مع النخب السياسية والبيروقراطية في هذا البلد منذ سنوات، فبعد اللقاءات المستمرة في بروكسل مع الوزراء والمسؤولين الأيرلنديين، بات هؤلاء أكثر ميلاً إلى أوروبا، مقارنة بشعبهم عموماً.

ولكن من الضروري أن يدرك هؤلاء المسؤولون البيئة الدولية الأوسع، إذ تسعى المملكة المتحدة بدأب إلى عقد اتفاقات تجارية جديدة، واللافت للنظر أن فكرة إقامة منطقة تجارة حرة شمال الأطلسي ناطقة بالإنكليزية وتضم الولايات المتحدة، وكندا، وبريطانيا تزداد احتمالاً.

نظراً إلى موقع أيرلندا الجغرافي، وروابطها التجارية، وصلاتها الإثنية مع هذه الدول الثلاث، من التهور ألا ترسم أي حكومة أيرلندية خطة بديلة في حال انتهى المطاف بمناقشات خروج بريطانيا إلى نتيجة مُرّة، لكن خطوة مماثلة تتطلب خطاً أكثر استقلالاً من المعتمد اليوم.

* راي باسيت