يتسم التخطيط الحكومي بسمعة سيئة وذلك بسبب فشل التنسيق الاقتصادي المركزي في الاتحاد السوفياتي بقدر كبير، ولكن اذا أراد أحد ما التفكير في التخطيط على شكل استثمار حذر مصمم من أجل بناء المعرفة ورأس المال لتحقيق مستقبل أفضل فقد يكون ذلك المفتاح للتجدد الأميركي.

وقد بالغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طرح تعابير سيئة ومثيرة للقلق أفضت الى الكثير من التآكل في الصورة القومية، وبين سنة 2005 و2014 عانى أكثر من 80 في المئة من الأميركيين من دخل ثابت أو متراجع، كما أن الولايات المتحدة تحتل المركز الثالث والثلاثين بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – متقدمة عن اليونان – من حيث نسبة عدد السكان الذين يتمتعون بتغطية الرعاية الصحية، على الرغم من أن أميركا تنفق لكل فرد أكثر من أي دولة اخرى، كما أن تكلفة التعليم في مسار تصاعدي وتتعثر عمليات البنية التحتية.

Ad

ويجادل الاقتصادي في جامعة كولومبيا جيفري ساكس في كتابه الجديد بعنوان "بناء اقتصاد أميركي جديد" في أن نقص التخطيط الحكومي يمثل المشكلة الرئيسية، وكان مثل هذا التنسيق العامل الأساسي في نجاح الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، وقد ساعد في دحر ألمانيا النازية وارسال رجل الى القمر، وفي وقت لاحق أنعش الاستثمار الحكومي الطويل الأجل في البحوث والتطوير الثورة الالكترونية وخلق الشبكة العنكبوتية. ويقول ساكس إن التخطيط يعكس ببساطة حكمة الارضاء المتأخر ويخلق الاستثمار المتعقل المزيد من الازدهار في المستقبل.

الحكمة الضائعة

ويبدو الآن أن تلك الحكمة قد فقدت وحل محلها ما يوصف بفكرة معرفة الأسواق الأفضل والسعي الى ضرائب أقل، ويلاحظ ساكس أن اجمالي عوائد الضرائب في الولايات المتحدة ليس كافياً حتى من أجل تلبية تكلفة الأمن والدفاع والضمان الاجتماعي والنفقات الصحية وفوائد الديون الحكومية. ويترك هذا الخيار الوحيد المتمثل في الاقتراض من أجل تسديد تكلفة الاستثمار في المستقبل – في التعليم والتدريب المهني والبنية التحتية والبحوث الأساسية. وفي الستينيات من القرن الماضي أنفقت الولايات المتحدة حوالي 4 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي على بحوث غير دفاعية، وقد هبط هذا الرقم الآن الى حوالي 1.5 في المئة.

وتبرز نهاية القرن الأميركي من خلال التفكير القصير الأجل، وهو يشكل بلاء لا تتشاطره كل الدول، وعلى سبيل المثال عندما أدركت الصين التكلفة البيئية للنمو الصناعي السريع عملت على حماية ميادين البيئة المستمرة والقيمة الاقتصادية، وبدأت بالتفوق على الولايات المتحدة في وتيرة البحث والتطوير في ميدان الذكاء الاصطناعي، وفي سنة 2015 استثمرت الصين أكثر من ضعف ما أنفقته الولايات المتحدة على تقنيات الطاقة المتجددة.

لا يحاول ساكس شرح الأسباب التي جعلتنا نفقد القدرة على التخطيط، وهو يركز بدلاً من ذلك على ما يمكن أن يحققه التفكير المتوازن، ثم إن الاستثمار في التقنية المتقدمة وخاصة بالنسبة إلى الطاقة والمواصلات يمكن أن يسهم في تحسين قدرتنا على النمو وعلى الاستثمار في التعليم العالي الجودة والرعاية الصحية، وهو ما يساعد المزيد من الناس على المشاركة في مجتمع أكثر عدلاً والاستثمار في جعل الاقتصاد مستداماً من الناحية البيئية، وهو ما قد يمكننا من ضمان مستقبل أكثر ازدهاراً، ويمكن لمثل هذه الجهود الاعتماد على المعرفة الأفضل، وعلى المهارة والخبرة في الصناعة وفي الجامعات والمختبرات الوطنية، التي مازلنا نملك الكثير منها بفضل الاستثمارات الحكيمة في الماضي.

وباختصار، يطرح ساكس خطة فعلية واقعية تهدف الى جعل الولايات المتحدة عظيمة من جديد، ولكن للأسف فإن مجادلته تبدو مثل تفكير ينافي العقل في البيئة السياسية الراهنة التي تظهر مدى ما فقدناه في الأساس.

* مارك بوكانان | Mark Buchanan