سلّط خبر في صحيفة الحياة الضوء على الطبيعة المعقدة التي تتسم بها التدخلات الأجنبية في سورية، أشار هذا المقال إلى أن الولايات المتحدة تدرس ثلاث خطط لاستعادة الرقة من تنظيم "داعش"، قدّمت إحداها تركيا التي لا ترغب في دخول القوات الديمقراطية السورية ذات الأغلبية الكردية المدينة.

لكن قصر نوايا تركيا في سورية على منع ظهور كيان كردي يفتقر إلى بعد النظر، إذ تسعى أنقرة أيضاً لاكتساب دور في سورية ما بعد الحرب، واللافت للنظر أنها تحظى في مسعاها هذا بمساعدة روسيا، التي رعت مفاوضات أستانة مع تركيا وإيران وتدعم الجيش التركي في تقدمه ضد "داعش" في منطقة الباب.

Ad

ينبع انفتاح روسيا على مشاركة تركيا في اتفاق ما بعد الحرب من قراءة واقعية لنقاط ضعف بشار الأسد، حيث تعهد الرئيس السوري في تصريح أدلى به قبل أيام باستعادة السيطرة على "كل شبر" من الأراضي السورية، ولكن لا يملك الأسد قوات كافية على الأرض لتحقيق هدف مماثل، فضلاً عن أنه لا يُعتبر مخولاً لقيادة عملية المصالحة في مرحلة ما بعد الحرب نظراً إلى جرائم نظامه المريعة.

في هذا الإطار، رأى الروس على الأرجح فرصة متاحة لمشاركة تركيا وإيران في صوغ وضع ما بعد الحرب يساهم في نشر الاستقرار في سورية بفاعلية أكبر، ومن المسائل التي ناقشتها مع كلا الطرفين تأسيس مجلس عسكري إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وسيضم هذا المجلس قادة عسكريين من الحكومة والمعارضة على حد سواء.

لكن دور هذا المجلس الفعلي ما زال موضع تخمينات. أشار تقرير في صحيفة "العربي الجديد" في شهر يوليو عام 2016 إلى أن روسيا والولايات المتحدة ناقشتا أيضاً هذه الفكرة، صحيح أن الأسد يعتبر هذا المجلس آلية لإضعاف خصومه وتعزيز سيطرته على الدولة، إلا أن عليه القلق من أن يلغي أهميته ودوره، مما يضمن بالتالي ألا يؤدي خروجه المحتّم إلى زعزعة اتفاق ما بعد الحرب.

بغض النظر عن التفسيرات، يجب أن يعتبر الأسد تعاون روسيا مع تركيا خطراً كبيراً لأنه يقحم أنقرة في أي حل سياسي يبدو الرئيس السوري اليوم واثقاً من أن عليه إدارته وحده، نظراً إلى المكاسب العسكرية الحاسمة التي حققها النظام في الأشهر الأخيرة.

يفكر الروس، على ما يبدو، في أبعد من ذلك، إذ يدركون أن ثمة عشرات آلاف الرجال المسلحين في المعارضة يجب السيطرة عليهم، ويرون أن من المستحيل إعادة بناء سورية ما دام الأسد في السلطة، ويبرز هذان الواقعان مدى صعوبة فرض نظام ما بعد الحرب في ظل الظروف الراهنة، بغض النظر عما إذا هُزمت المعارضة أم لا.

نتيجة لذلك، يُعتبر دور تركيا حيوياً، فيتحكم الأتراك وحدهم في خط إمدادات الكثير من المجموعات المعارضة، فضلاً عن عدد من المجموعات الأصولية الواسعة النفوذ مثل جبهة فتح الشام، لذلك تصبح مشاركتهم ضرورية. علاوة على ذلك، ثمة حاجة إلى أحد في المنطقة يتكلم بالنيابة عن مصالح السنة في سورية، ووحدها أنقرة، بدعم من دول الخليج العربي، تتمتع راهناً بقدرة مماثلة.

ربما تتجه سورية نحو نظام لا مركزي في المستقبل، فتبدو العودة إلى ما قبل عام 2011 صعبة اليوم، وإذا وسّعت تركيا سيطرتها في سورية فستمارسها خصوصاً في مناطق نفوذها المحاذية للحدود التركية على الأرجح، حيث سيستقر اللاجئون السوريون الذين يعيشون اليوم في تركيا، نكون واهمين إن تخيلنا أن سلطة الأسد ستمتد إلى تلك المناطق. ومن الجيد بالتأكيد أن روسيا تتقبل هذا الواقع على ما يبدو.

مع انتشار الجيوش الروسية، والإيرانية، والتركية على الأرض، يجد الرئيس السوري نفسه في موقف لا يُحسد عليه، سيبقى بلده عرضة لأجندات سياسية أجنبية، وقد تجلى هذا الواقع بطريقة قاسية مع رعاية روسيا، وتركيا، وإيران في مفاوضات أستانة ووضعها معاً الجزء الأكبر من البيان الختامي، في حين ظل المشاركون السوريون عموماً مجرد مشاهدين على الهامش.

* مايكل يونغ