أرغمت الأزمة المالية عام 2008 الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو على الرد بأسلحة الموازنة الثقيلة والآليات المصرفية الجديدة، وهكذا تقدّمت "أوروبا الاقتصادية" نحو تكامل أكبر، وسيدفعها الوضع الجيو-سياسي الحالي إلى سلوك مماثل في وجه الحالة الطارئة الجديدة المرتبطة بالسياسة الدفاعية، فقد أقنعت تصريحات ترامب ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأوروبيين بضرورة اتخاذ المبادرات بأنفسهم في مجالي الأمن والسياسة المالية، وبما أن التطورات تتسارع اليوم، فستُمتحن هذه الخطوات في الحال.

تشكّل موجة العنف الأخيرة في أوكرانيا في منطقة أفدييفكا أول اختبار يضعه بوتين أمام سياسة العزلة التي تبناها ترامب، ويُطالب مسؤولو الناتو العسكريين برد، ولكن ماذا سيفعل الرئيس الأميركي الجديد في وجه أولى استفزازات الكرملين؟ وماذا سيكون موقف الأوروبيين من هذه المعركة الجديدة على الأراضي؟

Ad

عشية قمة الاتحاد الأوروبي غير الرسمية في مالطا بعث دونالد آخر، دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي، برسالة إلى قادة الدول والحكومات الأوروبيين وضع فيها الولايات المتحدة بقيادة ترامب في مصاف "الصين، وروسيا، أو الإسلام المتطرف".

كتب تاسك: "للمرة الأولى في تاريخنا، وفي عالم خارجي تزداد فيه الأقطاب، يعرب كثيرون علانية عن مناهضتهم لأوروبا".

لا شك أن دونالد هذا محق، فلم يسبق للولايات المتحدة خلال السنوات السبعين الماضية أن عارضت بناء قارة أوروبية موحدة، ويُعتبر ترامب أول رئيس أميركي يعرب صراحة عن معارضته الوحدة الأوروبية، ويمثّل هذا تبدلاً تاريخياً، فلم يمضِ وقت طويل قبل أن يبدأ بمهاجمة أوروبا. اعتبر ترامب الناتو، عماد الدفاع الأطلسي، "بالياً"، كذلك ندد بالصفقة النووية مع إيران التي صاغها الأوروبيون، وانتقد أيضاً اتفاقات باريس بشأن التغيرات المناخية. فضلاً عن ذلك وضع ترامب رسمياً وفعلياً نهايةً للمفاوضات بشأن شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، وفي المقابل أشاد بانتصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستقبل تيريزا ماي بهدف الترويج لتفكيك الاتحاد الأوروبي.

أخيراً، لا شك أن هذه اللائحة ستطول في الأسابيع والأشهر المقبلة، إذ انتقد ترامب ألمانيا، التي يعتبرها بمفهومه الساذج القائد الوحيد في أوروبا: صنّف ألمانيا بقيادة أنجيلا ميركل، التي ترحب بلاجئين يحظر استقبالهم وتتلاعب باليورو لإبقاء العملة ضعيفة كي تبيع سيارات "بي إم دبليو" إلى الأميركيين بدل الشيفروليه (جزء من ثالث أكبر عجز تجاري يواجهه الأميركيون بعد الصين والمكسيك)، مع أوروبا. لا يشكّل استهداف ألمانيا لعبة متهورة بالضرورة، حيث ندد رئيس مجلس التجارة الجديد في البيت الأبيض بيتر نافارو باليورو، معتبراً إياه ماركاً ألمانياً ضمنياً يروّج للصادرات الألمانية في الدول الأوروبية كافة، لا الولايات المتحدة فحسب، وتلقى حجة ألمانيا الأنانية هذه آذاناً صاغية على هذا الجانب من الأطلسي، وهكذا يحاول ترامب زعزعة وحدة القارة.

ما عادت أوروبا تملك أصدقاء، بل تقف في وجه إمبراطوريات: قوى "قومية" لها طبيعة معاكسة لطبيعتها، ويُعتبر نطاق هذه المعركة جديداً لأنه صراع من أجل البقاء: ما الذي سينجو في القرن الحادي والعشرين؟ لكن الأهم من ذلك كله أن المناظرة بشأن أوروبا الموحدة تدور، كما لاحظنا خلال الاستفتاء البريطاني، حول حجج صغيرة، وإن تواصلت للأسف فستقودنا في النهاية إلى التفكك الأوروبي، وينضم إلى أعداء الخارج حشودٌ من خصوم الداخل، الذين يتحسرون على كل الجهود التي تحتاج إليها "أوروبا السيئة"، ولا بد أن ترامب، وتشي، وبوتين يضحكون فيما يشاهدون القارة تخرج من التاريخ.

* إريك لو بوشيه | Eric Le Boucher