عنونت فيلمك الأخير «اسمعي». ما أهمية الإصغاء في الوصول إلى الحوار والتواصل في المجتمع؟

نحتاج إليه كثيراً لأننا نعيش في منطقة يسود فيها الضجيج، لذا اعتاد ناسها على رفع الصوت ليسمع بعضهم بعضاً، علماً بأنه يمكن من خلال الهدوء التواصل وصولاً إلى الحوار الهادف.

Ad

لماذا اخترت الرومانسية وسيلة تعبير عن رأيك هذا؟

لما كانت الكراهية متفشية في المجتمع العربي، فكان لا بدّ من تقديم قصة حبّ. إلى ذلك أرى أن الإصغاء يعني أيضاً التعاطف مع الفكر الآخر ووجهة نظره.

اكتشفنا من خلال الفيلم جمالية الحياة بضجيجها وهدوئها!

في نظري، تبقى حاسة السمع إحدى أهم الحواس، والدليل على ذلك أن ثمة من يُغرم بصوت عبر أثير الراديو أو الهاتف، خصوصاً أن الصوت يمرّر لنا رسائل في لاوعينا. من جهة أخرى، أركّز على التوليف الصوتي في أفلامي لأؤثر في لاوعي المُشاهد.

رومانسية

تتناول أعمالك الحبّ والرومانسية حتى فيلم «تحت القصف». هل أنت رومانسي؟

صحيح. أحكي قصص حب في أعمالي السينمائية كافة لأنني رومانسي، فإذا استطعنا في هذا المجتمع المريض الذي فيه كثير من الكراهية والبلبلة التحدث عن الحبّ بإصرار فإنها رسالة مهمة وضرورية وإن كان الفيلم ترفيهياً.

شخصياتك متعلقة بالحياة ومناضلة في سبيلها، هل هي عملية مقاومة تعبّر عنها من خلال أعمالك؟

عندما عشت الحرب واقتربت من الموت عرفت قيمة الحياة، لذا أدعو من خلال أفلامي الجمهور إلى أن يفهم الحاضر وغريزة الحياة. وتقديم قصة الحبّ في ظلّ ما يحيط بنا هو فعل مقاومة بحدّ ذاته لأننا نفقد معنى الحبّ والإصغاء.

تقدّم دائماً أعمالاً تختلف عن السائد، إن على صعيد النوع أو طرح الموضوع أو الجوّ، هل يميل الجمهور إلى مثل هذه الأفلام؟

في الحقيقة، لا أحب المقارنة بين عملي وعمل الآخرين، خصوصاً أنه لا يمكن التحدث عن سينما لبنانية بل هي تجارب مخرجين ومنتجين عدّة. ثمة أفلام شعبية وأخرى متوسّطة تقدم الترفيه وتدعو إلى التفكير وطرح التساؤلات والتحليل في آن أسوة بأعمالي.

كيف تلقفّ الجمهور نهاية الفيلم؟

نهاية الفيلم صادمة تطرح علامات استفهام حول مصير شخصيات عدّة، وحين ينتهي العرض أتشارك مع الجمهور الآراء حوله فلاحظت أن ثمة من يأخذ الفيلم إلى أماكن مختلفة أو يتفهم الفيلم انطلاقاً من طريقة تحليله ونظرته إلى الأمور، ويفرحني ذلك كثيراً. في رأيي، الجمهور اللبناني ذكي يستوعب ما يشاهده في السينما سواء كان أجنبياً أو محلياً، فإذا كانت أفلامي التي توزّع في الغرب تنال إعجاب الجمهور هناك فلا بد من أن يستمتع اللبناني أيضاً بها، خصوصاً أنني أتكلم لغته ونحن نحاول أن نقدّم له مستوى عالمياً.

صعوبات ورقابة

هل تجد صعوبة في جمع الترفيه والتثقيف في فيلم واحد؟

طبعاً، لكنني أعتمد دائماً هذا الأسلوب الذي يجمع بين الترفيه وبين تقديم رسالة معيّنة للجمهور العادي الذي يفسّر الفيلم انطلاقاً من أفكاره وخلفيّته الاجتماعية والثقافية.

قدّمت مشاهد جريئة من ضمن سياق الأحداث. كيف تلقّفها الجمهور؟

صراحة، لم أقرأ أي نقد صحافي سلبي لهذه الجرأة ولم يعبّر أحد باستفزاز عنها، كما أن أحداً لم يصفني بتخطي الخطّ الأحمر. بل على العكس، اعتبر البعض أننا نفتح الباب أمام طرح بعض المواضيع بواقعية، خصوصاً أن السينما مرآة المجتمع ونحن كفنانين صادقين يجب أن ندفع الباب ونوسِّع الإطار لطرح مواضيع جديدة بأسلوب جديد وتخطي الخطوط المبهمة التي صُنفت حمراء.

أما كان يمكن استبدال الأصوات بالمشاهد الجريئة ما دام الفيلم يستند إلى الصوت؟

إنها مشاهد حميمية وشاعرية جميلة وليست مشاهد مبتذلة. منحت جسد المرأة فيها قيمة وجمالا. وفي النهاية، إنه خياري كفنان ونظرتي كمخرج إلى الفيلم.

البعض اعترض على ظهور شيخ من طائفة الموحدين الدروز.

لما كنت أدعو في الفيلم إلى الإصغاء المتبادل، فكان لا بدّ من الاستماع إلى رأيهم وتفهّمهم من دون أن أفهم موقفهم، كما الاستماع إلى رأيي أيضاً، فتوّصلنا إلى حل لا يستفزّ من لا يرى نفسه في هذا الفيلم، يقضي بوضع ستار أسود لتغطية مشهديْ الشيخ لأنني لم أرغب في اقتطاع أجزاء من الفيلم.

في رأيك، الرقابة الدينية أقسى من الرقابة الرسمية لدينا؟

نسأل نحن السينمائيين عمن تكون رقابتنا الفعلية، وأين حدود الحرية ومن مرجعيتنا، إذا كان العمل سيخضع بعد الرقابة الرسمية إلى رقابة 18 طائفة؟ شخصياً، أرفض الرقابة وأتمنى أن نبلغ اليوم الذي نستطيع فيه التعبير عن الأمور كما نرغب وبحرية.

شعرنا بمرحلة انتظار طويلة ورتيبة في الفترة التي حاول فيها «جود» استعادة حبيبته!

البطء مقصود في هذه المرحلة لأن الملل حوّل النهاية إلى خبطة قويّة وصادمة للمشاهد. فضلا عن أن الجمهور اللبناني اعتاد بسبب الأفلام الأميركية والإنترنت وطبيعة التواصل العصرية على الوتيرة السريعة، ما أضعف قدرته على التركيز لفترة طويلة رغم أن ثمة أموراً تحتاج إلى نضوج وتأنٍ.

ما معيار اختيارك أبطال الفيلم، خصوصاً أنهم وجوه جديدة شابة؟

اخترتهم عبر عملية «الكاستينغ» التي أجريتها على عدد من الشباب فوجدت أنهم الأنسب للأدوار المكتوبة لأنهم في الأساس متخصصين في التمثيل ومن الصعب إيجاد وجوه معروفة ضمن الفئة العمرية المطلوبة للفيلم أي بين 25 و30 سنة. استوحيت من قصصهم وأخبارهم الحوار الشبابي والأحداث لدعم الفيلم بجوّ واقعي وحقيقي.

أصداء وحركة سينمائية

كيف كانت أصداء الفيلم حينما عُرض في مهرجان دبي السينمائي؟

جميلة جداً. حكي عن الفيلم بطريقة إيجابية وامتلأت الصالات بجمهور غفير. أنا فرح جداً بالجماهيرية التي حققها هناك.

كيف يمكن تأمين التمويل اللازم لتقديم فيلم سينمائي متكامل في ظل الأزمة الإنتاجية الفنية؟

من الصعب جداً تأمين التمويل اللازم، وكلما قدّمت فيلماً شعرت بقلق تجاه شباك التذاكر، وبصراحة إن لم يؤمّن هذا الفيلم المردود المطلوب ثمة علامة استفهام حول مصير أعمالي السينمائية المقبلة.

ألا ترى أن الحركة السينمائية اللبنانية نشطة، ما يفعّل الثقة بالفيلم اللبناني؟

تحسّن الوضع كثيراً. عندما قدّمت فيلم «البوسطة» منذ 10 سنوات لم يكن ثمة أكثر من فيلم أو اثنين سنوياً، فضلا عن أن شباك التذاكر لم يكن مردوده مقبولاً. لكن هذا الفيلم فتح الباب أمام الأفلام الأخرى فزادت ثقة الجمهور بالفيلم المحلي. راهناً، ثمة أفلام بمثابة تجارب للمنتجين أو المخرجين لكنها مهمة بالنسبة إلى التقنيين الذين يكسبون خبرة من خلالها. أنا سعيد بتحسّن وضع المهنة إنما في الوقت نفسه قلق بسبب توّجه السينما إلى الجو التجاري ما يُفقدنا ثقة الجمهور بالأفلام المشابهة لأعمالي، أي تلك التي يمكن أن تجمع ما بين الترفيه والرسالة والتي تحوي عمقاً وتطرح تساؤلات لدى المشاهد.

ما رأيك بمستوى الأفلام اللبنانية الأخرى؟

ثمة مستويات مختلفة، لذا أدعو الجمهور اللبناني إلى التمييز في ما بينها وعدم خلط الأمور أو التعميم بالرأي.

«السهل الممتنع»

يؤكد المنتج والمخرج فيليب عرقتنجي أنه أول جمهور لأعماله، ويقول: «إذا كنت صادقاً يجب أن أقدم ما يعجبني أولاً. ولما كنت أحب الجمهور، فأعرض فيلمي في مرحلة التوليف على من هو عادي وعلى من هو تقنيّ فنيّ، وأصغي إلى الرأيين لأعدّل على أساسهما، فيكون فيلمي يشبهني وقريباً من ذوقي مع الأخذ بعين الاعتبار رأي الناس، من ثم يأتي من نوع السهل الممتنع».

ويختم اللقاء: «فيلمي دعوة إلى الدخول إلى الصمت والهدوء والحبّ والإصغاء الذي هو نوع من التأمل لأننا نحتاج إليه في حياتنا».