في هذا البلد نحن فنانون في حقن المشاكل بالإبر المخدرة، وتأجيل حلها بانتظار أن يتكفل الزمن بها ويحلها تلقائيا، ونحن فنانون في اللف والدوران بحلقات مفرغة ومحاولة معالجة قشور المشاكل بدلا من ألبابها، وما مشكلة الخلل في التركيبة السكانية، التي تطل علينا بين الحين والآخر إلا أحد الأمثلة الناصعة على تهرب الجميع من أصل المشكلة ومحاولة استثارة العواطف على القشور والأسباب الهامشية.

نعم هناك خلل كبير في التركيبة السكانية، وهذا منعكس بشكل واضح في الضغط على الطرق والخدمات وعدة أمور أخرى، وهي بلا شك مشكلة كبيرة بحاجة لمعالجة وحل، لكن قيام بعضنا بصب جام غضبه على الوافدين هو تسطيح للقضية ومحاولة للهروب للأمام، فزيادة الخلل في التركيبة السكانية والزيادة المطردة في أعداد الوافدين هو نتاج طبيعي لنظام الدولة الاقتصادي القائم على تكديس المواطنين في القطاع العام- الذي يعاني أصلا البطالة المقنعة- في حين يسيطر الوافدون على وظائف القطاع الخاص والخدمات والحرف الفنية. هذا هو أصل المشكلة، وأي محاولة لمعالجة هذه الأزمة دون التطرق لهذه الحقيقة ومحاولة إصلاح هذا الأساس الذي تقوم عليه الدولة، هو هروب من الواقع ومحاولة للتكسب السياسي والانتخابي ودغدغة العواطف دون أي نتيجة تذكر.

Ad

ولا ننكر في الوقت نفسه أن هناك أسباباً أخرى ساهمت في هذه المشكلة وهي تجارة الإقامات، لكن التحدث عن هذه الجانب وكأن حله سيحل الخلل في التركيبة السكانية هو وهم إن لم يكن تضليلاً، ثم لنكن صريحين، ليس هناك أي جدية في القضاء على تجارة الإقامات– لا من الحكومة ولا من المجلس- لأن هذه التجارة، وبكل بساطة، ليست حكرا على المتنفذين فقط، بل هي تجارة تشارك جميع طبقات المجتمع في ممارستها، ولذلك هي محمية وبقوة من أصحاب المصالح وهم كثيرون.

إذاً يجب الخروج عن الخطاب السياسي الاستهلاكي المعتاد والبدء بمواجهة أصل المشكلة بكل شجاعة عبر طرح حلول خلاقة وغير معتادة، تغير من قواعد اللعبة، ومنها سحب صلاحية التعيين في الجهات الحكومية من ديوان الخدمة المدنية التعيس، وتحويل الوزارات إلى مؤسسات مستقلة تتم محاسبتها على كفاءتها من عدة جوانب مثل (عدد الموظفين– سهولة المعاملات– مخالفات ديوان المحاسبة- نظافة مبانيها... إلخ)، حسب معايير ومعادلات يضعها أهل الاختصاص، بحيث تتم محاسبة المسؤولين وفرض عقوبات قاسية إن لم تبلغ مؤسستهم درجة معينة من الكفاءة. وفي الوقت نفسه يُمنح كل مواطن بالغ دخلا ثابتا (مثل دعم العمالة) حتى نشجعهم على العمل الحر، ونفرض أيضا ضريبة على الشركات تقل كلما وظفت عددا أكبر من الكويتيين حتى نخلق توازنا في سوق العمل، ونعالج مشكلة تجارة الإقامات، وهناك الكثير من التفصيل بهذا الخصوص لكن لا يسعنا التطرق له بمقال قصير.

الخلاصة أن هناك العديد من الحلول الحقيقية البعيدة عن النفاق السياسي والتكسب الانتخابي، لكن المشكلة أن السلطة أدركت متأخرة نتاج عبثها بالدولة خلال نصف القرن الماضي من أجل شراء الولاءات؛ للمحافظة على مكتسباتها ومحاولة التحكم في كل خيوط اللعبة، حتى خلقت أجيالا اتكالية غير منتجة تنتخب مجالس مهتمة بتوافه الأمور، وتحاول الحفاظ على النظام الاقتصادي السياسي الفاشل للدولة. ولذلك نجد الحكومات المتتالية بتركيبتها المعتادة المتخلفة فاقدة إرادة التغيير وخائفة من الإقدام عليه، ولهذا نجدها تطرح وثيقة إصلاح اقتصادي، ثم تريد إعادة النظر فيها، وهذا يعني أن الوثيقة لم تكن مدروسة أصلا، أو أن الحكومة تريد الاستغناء عنها تماشيا مع المزاج العام، وفي كلتا الحالتين نحن أمام مصيبة لن يحلها الزمن، فاربطوا الأحزمة لأن القادم أسوأ في ظل حكومة خرقاء وشعب ضائع ينتج مجالس تائهة.