يراقب الأوروبيون فرنسا عن كثب خلال هذه السنة الانتخابية الحاسمة، ويقدّم لهم الفرنسيون حوادث مشوّقة تبقيهم مترقبين. قبل ثلاثة أشهر من انطلاق الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية في 7 مايو، أصبح جزء كبير من أعضاء المؤسسة السياسية خارج السباق، ويبدو أن هذه الحملة التطهيرية لن تتباطأ قريباً.

اليوم يتساءل كثيرون عن مستقبل فرانسوا فيون الذي بدا حتى الأسابيع الأخيرة أحد المرشحين الأوفر حظاً. لكن سرعان ما «ظهرت بقعة عملاقة على سترته البيضاء»، كما كتبت صحيفة «لوكانار أنشيني». مع ذلك تبقى المتاعب التي واجهها أحدث جزء من سلسلة السخافات التي طبعت الانتخابات الفرنسية.

Ad

منذ البداية، امتنع الرئيس الراهن فرانسوا هولاند عن الترشّح لولاية جديدة بسبب نتائجه الكارثية في استطلاعات الرأي. كذلك اضطر رئيس حكومته مانويل فالز الذي كان سابقاً أحد أكثر السياسيين شعبية إلى التنحي بعدما كان المرشّح البديل عن الحزب الاشتراكي في الانتخابات التمهيدية. أما ساركوزي الحاضر في كل مكان، فحقّق نتيجة سيئة بالقدر نفسه في الانتخابات التمهيدية للحزب المحافظ. كذلك قضى التصويت الأولي على فرص الرجل الذي كان يترأس الاستطلاعات كافة: إنه آلان جوبيه، رئيس بلدية «بوردو» المتقدّم في السن. بدا أحياناً كأنه وضع قدميه في قصر الإليزيه، النسخة الفرنسية من البيت الأبيض.

اليوم تغيّرت لائحة المتنافسين كاملةً، مع فيون أو من دونه، وزادت الوضع تشويقاً أكثر مما كان متوقعاً منذ أسابيع قليلة. بدأت ثالث أشهر رياضة في فرنسا بعد كرة القدم والرغبي (احتساب التحالفات المحتملة والمستحيلة كافة بعد الانتخابات) تَشْغَل عدداً هائلاً من المقالات والبرامج التلفزيونية.

ماذا سيحصل إذا تكاتف معسكر اليسار كله، بما في ذلك الشيوعيون، مع حزب الخضر وبقية الأطراف الأخرى لطرح مرشّح موحّد؟ هل يمكن أن يطلق إيمانويل ماكرون الموهوب، رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، حركة نشطة من العدم ويطرح نفسه كقائد للدولة الفرنسية خلال بضعة أشهر بفضل مساره المتجدّد والمنفصل عن معسكرَي اليسار واليمين معاً؟ وهل يستطيع اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي يسخر منه خصومه باعتباره «تشي غيفارا يوتيوب» أن يفوز بأكثر من 10% من تأييد الناخبين الذي يحظى به اليوم؟ ماذا عن مرشّح حزب الخضر؟ ما كان اسمه؟ جابو؟ جادو؟

انتخابات مشوّقة

من الواضح أن الانتخابات الفرنسية ستكون مشوّقة، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى عادة تنظيم انتخابات رئاسية تمهيدية مفتوحة استناداً إلى توجّهات عامة الناس في فرنسا. كان الاشتراكيون أول من اختبروا تلك الممارسة منذ سنوات ويحذو المحافظون حذوهم هذه المرة. كذلك أدرك الطرفان رغماً عنهما أن الناخبين في المرحلة التمهيدية لا يهتمون كثيراً باستطلاعات الرأي أو نظريات الاحتمالات، بل إنهم أكثر ميلاً إلى تعميق الانقسام داخل النظام السياسي.

في المعسكر اليساري، فاز بونوا هامون غير المعروف في الخارج بالترشّح. لكنه يُعرَف في فرنسا كقائد للثورة التي حصلت داخل الحزب الاشتراكي ضد المسار «الاجتماعي الديمقراطي» للرئيس الفرنسي: تشير هذه العبارة بحسب المفهوم الفرنسي إلى المسار الضعيف والوسطي الذي طبّقه هولاند.

قبل اختيار هامون، اختار الناخبون في المرحلة التمهيدية فيون كمرشح عن الحزب المحافظ الذي جدّد اسمه أخيراً وأصبح حزب «الجمهوريين». كان فيون الذي يجاهر بانتمائه الكاثوليكي عمل وزيراً في حكومات عدة وأمضى سنوات في منصب رئيس الحكومة، لكن لم يعتبره أحد مرشحاً محتملاً وكان تفوّقه مفاجئاً.

أخلاق غير كافية

بعد تلك المرحلة بفترة، اعتبر كثيرون أن فيون، المرشّح المحافظ والجدّي، سيكون الأوفر حظاً للوصول إلى قصر الإليزيه في شهر مارس. لكن من الواضح أن حظوظه تلاشت اليوم فجأةً. بقدر ما يحب فيون أن يعظ عن الأخلاق والآداب، يبدو أنه لا يتمتع شخصياً بأيّ من هذه الصفات.

في الأسبوع الماضي نشرت صحيفة «لوكانار أنشيني» تقريراً فيه إثبات على إقدام فيون على توظيف زوجته بينيلوبي كمساعدة برلمانية مزيّفة مقابل أجر مرتفع جداً، ثم اعترفت الصحيفة بأنها ارتكبت خطأً وزادت الأرقام التي ذكرتها. وهي تزعم الآن أن فيون كسبت 831440 يورو من زوجها خلال بضع سنوات: إنه مبلغ صادم بالنسبة إلى رجلٍ يقترح سياسة تقشّف جذرية لبلده.

رغم الفضيحة، قال فيون إنه لن ينسحب من السباق وأمضى الأسبوع الماضي ينكر الاتهامات بأسلوب غاضب وقوي، فاعتبر نفسه ضحية «حملة تشهير احترافية» يقودها «أصحاب السلطة من معسكر اليسار». بحسب رأيه، تهدف الحملة إلى نسف «فكرة فرنسا السامية» التي نشرها. لكن بعد ساعات قليلة على تصريحاته، انتشرت أنباء عاجلة عن اكتشاف معلومات إضافية تدينه، بما في ذلك مقاطع من مقابلة تلفزيونية سُجّلت منذ سنوات مع بينيلوبي حيث قالت إنها لم تعمل يوماً كمساعِدة لزوجها، ما ينسف جهود الزوجين في الأسبوع الماضي لإثبات شرعية المبالغ التي تلقّتها بينيلوبي.

أنباء إيجابية بالنسبة إلى مارين

حتى لو بقي فيون مرشّحاً، ستتضرر سمعته وتتلاشى فرص فوزه. بدأ حزبه يناقش «الخطة الاحتياطية» بأسلوب صريح يفتقر إلى أبسط درجات الاحترام. يدور نقاش حول جوبيه كمرشّح بديل محتمل لكن يتم التداول أيضاً بأسماء بعض المحافظين الشباب. في مطلق الأحوال لن تستطيع أيٌّ من الأسماء البديلة حرمان مارين لوبان ومشروعها «مارين 2017» من ناخبيها كما كان ليفعل فيون قبل الفضيحة.

إنها أنباء إيجابية طبعاً بالنسبة إلى مارين لوبان التي حوّلت الأوساط الفاشية المحيطة بوالدها إلى حزب معاصر برئاستها، أي «الجبهة الوطنية» الشعبوية اليمينية. طرحت لوبان «140 اقتراحاً لأجل فرنسا» حين أطلقت جزءاً أساسياً من حملتها. وحتى لو تعثرت، ستبقى بأمان لأنها تعرف أنها تحظى بدعم ربع الناخبين المحليين على الأقل، بغض النظر عما تقوله وما يقوله الآخرون عنها.

اتُّهمت لوبان بإساءة استعمال أموال الاتحاد الأوروبي بطريقة منهجية لأغراض حزبية في البرلمان الأوروبي، ولم تعد قادرة على إخفاء ميلها إلى تغيير اتجاه الحزب مع ابنة شقيقتها ماريون ماريشال لوبان. لكن لا أهمية لذلك: بقيت نسبتها في الاستطلاعات ثابتة (25%)، ما يشير إلى أنها ستحصد أصواتاً كافية للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

من سيتحدى «الجبهة الوطنية»؟

يتعلق السؤال الأساسي الوحيد بهوية من سيتحدى مارين لوبان! من سيصبح «أهون الشرّين» في هذه الحملة؟

هل سيتحداها المرشّح الاشتراكي هامون بخطته المتهورة التي تقضي بإعطاء الفرنسيين كلهم دخلاً أساسياً غير مشروط يبدأ بمبلغ 600 يورو قبل أن يرتفع لاحقاً إلى 750 يورو؟ ستؤدي هذه الخطة على الأرجح إلى زيادة الإنفاق السنوي للحكومة الفرنسية بمعدل 380 مليار يورو.

هل سيتحداها إيمانويل ماكرون؟ لا شك في أنه يتمتع بكاريزما الزعيم لكن يبرز لديه أيضاً بعض نقاط ضعف تجعله معرّضاً للهجوم، بما في ذلك نقطتان ربما تتخذان منحىً خطيراً. تتعلق نقطة ضعفه الأولى بسيرته الذاتية التي لا تتماشى عموماً مع صورة البطل الشاب الذي يستطيع زعزعة أسس النظام السياسي المتحجّر. درس ماكرون في «المدرسة الوطنية النخبوية للإدارة» في فرنسا، كما أنه رجل ثري عمل سابقاً كمصرفي في بنك «روثشايلد» قبل أن يصبح مستشاراً لفرانسوا هولاند. لطالما كان جزءاً من النخبة التي أعلن عليها الحرب.

أما نقطة ضعف ماكرون الثانية، فهي التالية: عدا التزامه الواضح والمريح نسبياً تجاه الاتحاد الأوروبي، بالنسبة إلى الفرنسيين على الأقل، لا يطرح هذا المرشّح برنامجاً حقيقياً. قال إنه سيعلن عن خططه في أواخر فبراير الجاري، بعدما يجمع مئات آلاف المتطوعين المنظّمين ضمن مجموعات عمل نشطة في أنحاء البلد اقتراحات سياسية عن مواضيع متنوعة. إذا نجحت هذه العملية وطرح ماكرون برنامجاً سياسياً متماسكاً، سيُشكّل معجزة شعبية جديدة بالنسبة إلى فرنسا.

لكن هل هذا الاحتمال ممكن؟ هل يمكن أن تطلق الحشود الشعبية مساراً سياسياً جديداً ليس يسارياً ولا يمينياً بل صحيحاً ومستقيماً بكل بساطة؟ تكثر الآمال التي يُعلّقها الناس على ماكرون لكنه يبقى معرّضاً للسخرية. في الأسبوع الماضي قال كوميدي فرنسي على الراديو الذي لا يزال وسيلة إعلامية مهمة لتوجيه الآراء في فرنسا إن غسالة الملابس فيها برامج أكثر من ماكرون! أشارت أحدث استطلاعات الرأي إلى أنه يحصد 23% من أصوات الناخبين. أما اليساري جان لوك ميلانشون المعتدّ بنفسه وبأفكاره، فحصد نحو 10%. يَعِد ميلانشون بالسماح للناس بالتقاعد في عمر الستين وبضمان استحقاقات المعاش التقاعدي كلها ويطالب بأن يبلغ الحد الأدنى للأجور 1300 يورو شهرياً. على صعيد آخر، يريد أن تعترف فرنسا والاتحاد الأوروبي بفلسطين كدولة بحد ذاتها ويدعو فرنسا إلى الانسحاب من حلف الأطلسي ويطالب بإعادة التفاوض حول معاهدات الاتحاد الأوروبي.

عند النظر إلى لائحة المرشحين قبل ثلاثة أشهر من الجولة الانتخابية الأخيرة، يسهل أن نستنتج أنّ أكبر تهديد تواجهه «الجبهة الوطنية» والمرشّحة الرئاسية مارين لوبان يرتبط بالحزب نفسه. لكن من الناحية الإيجابية، لطالما أثبت الحزب أنه يجيد هزم نفسه في الماضي.

حين ألقت الصحيفة اليومية «ليزيكو» المتخصصة بالأعمال نظرة فاحصة على اقتراحات غير واقعية طُرحت في خضمّ الحملة الانتخابية، لوحظ أن لوبان تحتلّ مرتبة متقدمة على اللائحة. ستؤدي خططها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي والتخلي عن العملة الموحّدة إلى كارثة وطنية، بما في ذلك انهيار العملة وتفجّر أزمة ديون جديدة. عدا الجانب الاقتصادي، لا تزال لوبان تُعتبر في نظر كثيرين غير مرشّحة للفوز لأنها لم تفصل نفسها بالكامل عن والدها اليميني الراديكالي جان ماري الذي أسّس حزب «الجبهة الوطنية».

يتعامل الناخبون الفرنسيون بواقعية مع المواضيع الاقتصادية، ومن المستبعد أن يصوّتوا لصالح لوبان في نهاية المطاف لأنها لا تبذل جهوداً جدّية كي تبعد نفسها عن المواقف الشائكة التي أطلقها والدها ومؤسس الحزب جان ماري لوبان الذي ينكر محرقة اليهود وتربطه علاقات بالنازيين الجدد.

كلام مشفر

لا يزال الخطاب الذي ألقته في شهر سبتمبر في بلدة «فريجوس» منشوراً على موقعها الإلكتروني باعتباره الركيزة السياسية لحركتها. تُصَوّر تلك العظة القاتمة فرنسا كبلدٍ تحاصره أنواع القوى الغريبة كافة.

يطالب الخطاب أيضاً باسترجاع فرنسا الأصلية التي تخوض معركة نبيلة بين الحياة والموت، ويعارض العقيدة الليبرالية الخاطئة في هذا الزمن، أي التعددية الثقافية ومفهوم أوروبا طبعاً. كذلك يشمل الخطاب، ضمناً أو صراحةً، مؤشرات على كره الأجانب والنزعة القومية الإثنية والميل إلى إقصاء الآخر والإيديولوجيا الرجعية.

تحاول لوبان، بالتعاون مع فريق جمعته حديثاً ويشمل شباباً أذكياء أن تخفي هذه الرسالة عن الرأي العام الواسع، لكن ستبقى هذه الاستراتيجية شائكة دوماً: من جهة يجب أن تطرح المرشحة شعارات متطرفة أمام ناخبيها المتطرفين، ومن جهة أخرى يجب ألا تخيف بقية الناخبين. لتحقيق هذا الهدف، طوّرت نوعاً من اللغة السرية تتخذ شكل كلامٍ يميني راديكالي ومزدوج، واتّضح هذا الأسلوب في خطاب «فريجوس». لذا يسمع مناصروها رسالة تختلف عما يسمعه الرأي العام في خطاباتها: تطبّق لوبان هذه الاستراتيجية في محاولةٍ لشق طريقها نحو الإليزيه.

حاولت لوبان أيضاً أن تخترق أوساطاً أخرى عبر خبرتها الواسعة: شوهدت حديثاً وهي تشرب القهوة في متجر مثلجات في «برج ترامب» في نيويورك. كذلك تسري إشاعات مفادها أن البوابة الإلكترونية الأميركية «بريتبارت نيوز»، التي تحمل سمعة سيئة وكانت سهّلت المسار الإيديولوجي لدونالد ترامب، تخطط للتوسع في السوق الفرنسية.

مع ذلك، من المستبعد أن تصبح مارين لوبان رئيسة فرنسا. ربما تتوقّع الاستطلاعات وصولها إلى الجولة الثانية من الانتخابات، لكن تشير البيانات الراهنة أيضاً إلى أنها ستُهزَم بعد تلك المرحلة أمام المرشّح المنافِس بغض النظر عن هويته. في الوقت الحاضر، تشير الاستطلاعات مثلاً إلى أن ماكرون يحصد 65% من الأصوات في مواجهته مع لوبان.

في فرنسا يمكن التأكّد دوماً من أنّ لوبان ستُعتبر في الأحوال كافة أسوأ الشرّين. لكن تشعر بقية بلدان أوروبا بالقلق حين تنظر إلى فرنسا خلال هذه السنة الانتخابية الحاسمة. لم ينسَ الناس أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان أمراً مستبعداً إلى أن صوّت البريطانيون فعلياً على قرار الانسحاب. وفي الولايات المتحدة، كان الجميع متأكدين من خسارة ترامب قبل أسبوع من الانتخابات.

في فرنسا، سلكت الانتخابات الحزبية التمهيدية المسار نفسه: خسر المرشّحون الذين يحصدون الإشادة داخل باريس وفي وسائل الإعلام، فيما فازت أسماء غير متوقعة. هل ستستمر هذه النزعة؟ لن نعرف الجواب قبل شهر مايو!