على وقع النقاشات اليومية التي تجري في استراحات المحامين بالمحاكم يردد كثيراً بعض الزملاء ما جنته الحكومة والبرلمان السابق من إصدار حزمة من القوانين، كالأسرة والأحداث وتقنية المعلومات والطفل، أسفرت عن تشتيت جهودهم، وألزمتهم بتعيين العديد من المحامين المقبولين حديثا، علاوة على شح سوق المحاماة في التعاقدات، وكثرة عدد المحامين القادمين له، سواء من خريجين أو من محالين للتقاعد.

والقوانين الصادرة، ومنها الأسرة والأحداث، وانفصالهما بمبانٍ مستقلة في عدد من المحافظات، كمباني محكمة الأسرة، أدت إلى ضرورة متابعتها عمليا من الزملاء المحامين، وسعي البعض الآخر للاعتذار عن قبول هذا النوع من الدعاوى، التي باتت تحمله كلفة مالية لن يستطيع القيام بها على المدى الطويل، مقارنة بما كان عليه الوضع السابق، الذي كان يسمح للمحامي أن يعمل في كل شيء، وأن يتولى الدفاع في كل القضايا، لوجودها في مبنى واحد، وبإمكان المحامي أن يستمر في ذلك النظام تجاه المتغيرات التشريعية، إذ كان بمقدوره أن يعين المزيد من المحامين، أو أن يتعاون مع زملاء له بمكاتب أخرى يتولون جميعا أمر التنسيق فيما بينهم، وهو أمر قد لا يقبله الموكلون اليوم في العديد من القضايا، وخاصة من يشترط حضور المحامي شخصيا في قضاياه.

Ad

والحل برأيي يكمن في ضرورة تأقلم المحامين سريعا مع تلك المتغيرات التشريعية، باتخاذ أحد طريقين لا ثالث لهما؛ إما استمرار العمل الفردي بمكاتب المحاماة، مع التخصص في أنواع محددة للقضايا، كأن يتخصص مكتب بالقضايا الإدارية، وآخر بالجزائية، والكف عن سياسة العمل بكل القضايا والأقسام التي باتت مكلفة؛ ذهنيا وإداريا وماليا، في تغطيتها، لأن التخصص سيسمح بالاستقرار عمليا، والتركيز على سوق العمل في المجالات التي تدخل بذات المجال الذي تخصص به المحامي.

بينما الحل الآخر إزاء عدم رغبة المكاتب الفردية في التخصص، وسعيها للاستمرار في سياسة العمل في كل شيء وبكل القضايا، فهو التحول إلى فكرة الاندماج مع أكثر من مكتب محاماة، والعمل بأسلوب المجاميع التي يربطها فيما بعد إدارة واحدة تعمل على التنسيق فيما بينها، كما أن اتباع هذا الأسلوب سيعمل على نقل مكاتب المحاماة من فكرة الإدارة الفردية غير المنضبطة إداريا، وربما ماليا، لعدم خبرتها، ولانشغالها بالعمل الفني، إلى فكرة العمل المؤسسي المنتظم بمتخصصين يتولون إدارة الشقين الإداري والمالي على نحو منفصل تماما، وهو ما سيساعد مستقبلا في فكرة التحول إلى نظام شركة المحاماة.

الأمر الأخير الذي أعتقد أنه مؤثر على مهنة المحاماة لا يعود إلى كثرة عدد العاملين فيها، إنما في الفوضى التي تعيشها هذه المهنة، والتي سيطرت على حالها، وأثرت على مستواها ونمطها وأدائها، وهو ما لم يستطع مجلس الإدارة الحالي ولا المجالس السابقة مواجهته، وهي مسائل تكمن في سياسة القبول والتأديب ومراقبة مكاتب المحاماة، والتأكد من عدم تأجيرها بالباطن، ووضع حدود للأتعاب التي يتفق فيها بين الزملاء، ولو كانت ذات طابع أدبي، فحالة الفوضى التي تعيشها المهنة وعدم تنظيمها أوصلها إلى هذه النتائج التي تعيشها، لا القوانين الصادرة وحدها!