إن الشاب البالغ من العمر 29 سنة، وقد تربى في أسرة مصرية ميسورة، فوالده لواء شرطة متقاعد، وقد درس القانون، وعمل في مكتب للمحاماة والاستشارات القانونية بدولة الإمارات العربية المتحدة، أصيب بفيروس الفكر المتطرف، وأصبح أحد جنود "داعش"، وأخذ يغرد مناصراً ومدافعا ومروجاً لفكر "داعش"، آمن بعقيدة "داعش"، ورأى في "الدواعش"، مجاهدين في سبيل الله تعالى، عن دولة الإسلام المزعومة، وأنهم لا يخافون في الله تعالى لومة لائم، بحسب زعمه.

أصبح أسيراً لهذا الفكر الفاسد، واستمر مناصرا له يردد آيات الله تعالى ليبرر بها إجرام "داعش"، فكتب يقول: "إن لنا إخوة مجاهدين في سورية وكل بقاع الأرض، لماذا يخافون من دولة الإسلام؟ لأن دولة الإسلام تدافع عن مواردها وأرضها وعرض المسلمين وكرامتهم، وترد الصاع"، ثم يستشهد بالآية الكريمة "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ"، وكانت عاقبة أمره أن استخرج تأشيرة سياحية إلى فرنسا، وركب طائرة، وقصد متحف اللوفر، وهاجم دورية جنود، حاملاً ساطوراً ومكبراً، وأصاب أحد الجنود قبل أن يتمكنوا منه ويصيبوه إصابات مختلفة، وهو اليوم بعد أن تعافى رهن الاعتقال والتحقيق.

Ad

هذا الشاب حالة نموذجية لإنسان لا يشكو من مظلمة أو قهر أو تهميش أو تمييز، هو خريج جامعي، أي أنه غير جاهل، وهو يعمل في وظيفة مرموقة، بمعنى أنه لا يعاني ضائقة مالية، وهو أيضا تربى في أسرة معتدلة فكريا وسياسياً، ومرتاحة مالياً واجتماعياً، ووالده يقول عنه: لم يكن لولدي أي انتماءات سياسية، أو دينية، وهو محبوب، ويستمع للموسيقى، لذلك صرح هذا الوالد المكلوم لوسائل الإعلام، إن ولده بريء من تهمة الإرهاب، جازماً أن ولده ذهب في رحلة عمل إلى باريس وزار المتحف بعدها، ولا علاقة له بما حصل!

هذا الحادث الإرهابي يسلط الأضواء على أمرين:

الأول: كيف تمكن الفكر الإرهابي من هذا الشاب، الذي نشأ في بيئة معتدلة، ولا يعاني ضغوطا أو مؤثرات معينة تدفعه إلى اعتناق مثل هذا الفكر؟! إن استشراء مثل هذا الفكر وتمكنه من عقول ونفوس شباب لم تكن لديهم القابلية للفكر المتطرف، يضاعف مسؤوليات مؤسساتنا الثقافية والتعليمية والدعوية والتربوية في جهود التحصين والوقاية، إن الفكر الإرهابي أصبح وباء فتاكاً يغزو بيوتنا ويتمكن من شبابنا، وما حصل مع هذا الشاب وأمثاله جرس إنذار لمجتمعاتنا، لتستنفر طاقات التحصين وتفعل المصدات أمام هذا الوباء.

الثاني: إن هذا الأب وهو لواء شرطة كان يفترض به أن يكون ملماً بأحوال ابنه، وهو ليس أول أب لا يعلم عن تطرف ابنه، هناك، وعلى مدى عقدين من الزمن، آباء وأمهات لم يكونوا على بينة من انحراف أبنائهم القاتل، وظلوا غير مصدقين إجرام أبنائهم، ولعلنا نتذكر موقف الأب المصري والد محمد عطا، قائد غزوة مانهاتن، ظل ينكر علاقة ابنه بإرهاب 11 سبتمبر، وأصر أمام القنوات الفضائية، بأن الموساد خطف ابنه، وما زال غير مصدق أن ابنه وبقية الكتيبة فجروا أنفسهم في البرجين، مسببين قتل 3 آلاف نفس بريئة، إنه أب مفجوع، إنه آخر من يعلم! وبعدها بـ6 سنوات وبالتحديد في يوليو 2007 تم القبض على طبيب أردني في لندن، ضمن خلية من 8 أعضاء، كلهم أطباء، على خلفية اعتداءات لندن وغلاسكو الفاشلة، وكان هو الرأس المدبر، كان رد فعل والده، المقيم في عمان، أمام الصحافة: ابني ليست له علاقة بالإرهاب، هو ذهب لإكمال تعليمه والحصول على الاختصاص، واتهم السلطات البريطانية بتلفيق الاتهام، لأن ابنه مواطن عربي مسلم، وكل عربي مسلم متهم بالإرهاب!

أما البلجيكية الحسناء مورييل ديغوك التي تزوجت مغربياً وأسلمت وذهبت إلى العراق وفجرت نفسها في قافلة أميركية، قبل 10 سنوات، فقد دافع والدها عنها واتهم زوجها بأنه غسل دماغها، إنه أب آخر مفجوع، لا يعلم شيئاً عن ابنته!

* كاتب قطري