في حياة المخرج المصري د. محمد كامل القليوبي، الباحث، أستاذ الإخراج في معهد السينما، والحاصل على جائزة الدولة التقديرية، الذي غيبه الموت صباح الخميس 2 فبراير الجاري، أزمة كبيرة، أجزم أن تفاصيلها ما زالت خافية على كثيرين ممن اقتربوا منه أو عاصروه!

جرت وقائع الأزمة في عام 1999، وكنت وقتها محرراً فنياً بمجلة «روز اليوسف» السياسية الأسبوعية، عندما التقيت الكاتب الصحافي والناقد محمد الرفاعي، وخصني بحوار سجل فيه اعتراضه على الفيلم الذي انتهى القليوبي من تصويره عن سيناريو كتبه الرفاعي بعنوان «أحلام مسروقة»، وبلغ غضبه حيال «التشويه» الذي أصاب السيناريو، حسب قوله، حد إعلان تبرئه من الفيلم، والتهديد برفع دعوى قضائية ضد الجهة المنتجة (قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتلفزيون)، في حال لم تمتثل لرغبته وتحظر عرض الفيلم، أو تبادر برفع اسمه من «التترات»، ومواد الدعاية الخاصة به. وهو ما حدث فعلاً، بعد انتقال الأزمة إلى ساحة القضاء، وصدور تعليمات من صفوت الشريف وزير الإعلام وقتها بإلزام قطاع الإنتاج بمنع عرض «أحلام مسروقة»، وسجنه في أدراج القطاع، الذي كان يتعامل آنذاك بنظام المنتج المنفذ، وأسند مسؤولية تنفيذ الفيلم إلى شركة «خفاجي فيلم»، التي كان يملكها د. رأفت خفاجي!

Ad

أتذكر الواقعة الآن، وكأنها حدثت بالأمس، لأن الغضب تملك د. القليوبي، بعدما نشرت المجلة نص ما قاله الرفاعي، ولسبب لا أعرفه حملني مسؤولية ما جرى، واتخذ قراراً بمقاطعتي فترة ليست بالقصيرة، حتى جمعتنا مناسبة سينمائية، وتصافحنا وتعانقنا، وأصبح لا يفوت فرصة من دون الاتصال بي، والسؤال عني، والإشادة بمقال كتبته. وعندما تولى رئاسة مؤسسة «نون للثقافة والفنون»، الراعية والمنظمة لمهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية، كان يتفضل عليّ بأن يتصل بي هاتفياً، ويدعوني بنفسه إلى حضور المهرجان طوال دوراته الأربع التي أقيمت في الأقصر!

المفارقة أن الخلاف بين القليوبي والرفاعي لم يصب في جوهر القضية، التي تناولها فيلم «أحلام مسروقة»، وهي التنديد بظاهرة الإرهاب الديني، التي اجتاحت مصر في فترة التسعينيات، إذ كانا على اتفاق تام في الهدف، والرؤية، وإنما تمحور الخلاف، خصوصاً من جانب الرفاعي، في التفاصيل، وشعوره بأن كرامته أهينت، وإبداعه أهدر، بسبب التعديلات التي أجراها القليوبي على السيناريو، من دون أن يعود إليه أو ينتزع موافقته عليها!

مضت الأعوام، ومعها انطوت صفحة الخلاف، واندملت الجراح، وعادت المياه إلى مجاريها بين القليوبي والرفاعي، وسقط قرار الحظر، الذي أصدره صفوت الشريف، وعرضت قناة «العائلة» التابعة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري الفيلم، لكن ظلت نسخ الفيلم خالية من اسم الرفاعي وتتصدرها لوحة تقول «فيلم لـ .. محمد كامل القليوبي»!

تبدأ أحداث فيلم «أحلام مسروقة» بحفلة زفاف على الطريقة الإسلامية الأصولية، حيث الدفوف والتواشيح والابتهالات الدينية، والفصل بين الرجال، من أصحاب اللحى والجلابيب البيضاء، والعريس الذي يتوسطهم، وبين النساء المحجبات، ومنهن أطفال محجبات، والعروس تلازمهن، وتنظر، على استحياء، إلى زوج المستقبل، وهو الفصل التعسفي الذي يؤكده الفيلم لحظة وصول «شاكر» (فاروق الفيشاوي) وزوجته «هالة» (سلوى خطاب) لتهنئة العروسين، فيطالبهما الملتحي المتزمت (أحمد عقل) بالافتراق، ويأمر الزوجة بأن تتوجه إلى مجلس النساء، فتوافقه وهي ممتعضة، ويزداد امتعاضها عندما تمنع إحدى المنقبات طفلها من اللحاق بها بحجة أنه «رجل» ولا يصح له مخالطة النساء!

فيلم يمكن النظر إليه اليوم بأنه «سابق عصره»، في شجاعته في التصدي لظاهرة تفاقمت، وجرأته في تبني رؤية ظلت مثار جدل (البطل يؤمن أن الإرهاب لا ينبغي أن يواجه بالإرهاب)، خصوصاً أن القليوبي استعان في تنفيذه بأسماء كبيرة في عالم الإبداع (رمسيس مرزوق في إدارة التصوير وراجح داود في الموسيقى التصويرية وعادل منير في المونتاج)، ولم ينس توجيه الشكر إلى المتخصصين (د. أحمد جلال عز الدين الخبير الدولي في مكافحة الإرهاب ود. عاطف أحمد اختصاصي الطب النفسي) لكن المفارقة الأكثر إثارة أن القليوبي وجه الشكر أيضاً إلى ممدوح الولي الصحافي في جريدة «الأهرام»، الذي أرجح أنه استعان به في الجزء الخاص بالإرهاب، وهو الذي اتهم لاحقاً بأنه أحد المحسوبين على «الإخوان المسلمين»!