هل يمكن أن تصل العلاقة بين ممثل وطائفة النقاد والصحافيين إلى درجة القطيعة؟ وكيف تتجاهل هذه الطائفة كل ما يقدمه الممثل من أعمال مهما تباين مستواها؟ وكيف يصل الأمر إلى حد تجاهل أعماله، والهجوم عليها أو التقليل من أهميتها، من دون مشاهدتها؟

أسئلة فرضت نفسها عليّ وأنا أتابع أحداث فيلم «القرموطي في أرض النار»، الذي يمكن القول إنه أول فيلم مصري يتناول الظاهرة «الداعشية» بشكل كوميدي ساخر، ورغم هذا لم يحظ بالتفاتة أو اهتمام نقدي وإعلامي، بل يمكن القول إنه يواجه تجاهلاً مريباً لمجرد أن بطله هو أحمد آدم!

Ad

بداية ينبغي التنويه إلى أن «القرموطي» شخصية خيالية كوميدية برع في تقديمها الممثل الكوميدي أحمد آدم، وظهرت لأول مرة في مسلسل «سر الأرض»، الذي عُرض في التسعينيات، وبعدما لاقت كثيراً من الإعجاب الجماهيري بسبب هيئتها الهزلية، وأسلوب صاحبها الرائع في الحديث بطريقة عصبية، أعيد تقديمها في مسلسل «القرموطي في مهمة رسمية» (1998)، ثم قُدمت مرة ثالثة في فيلم «معلش احنا بنتبهدل» (2005) وها هي تعود إلى الشاشة الكبيرة في فيلم «القرموطي على أرض النار».

تبدأ الأحداث في حارة شعبية، بسؤال من رجل غريب لأحد الأطفال عن عنوان منزل «القرموطي» (أحمد آدم) وتأتي إجابة الطفل عجيبة: «جايين تقبضوا عليه؟»، فيجيبه الرجل الغريب: «لا جايبين له تلفزيون 3D». وينتشر الخبر في الحارة انتشار النار في الهشيم، ويخشى «القرموطي» من الحسد، لكنك لا بد من أن تسأل نفسك: «لماذا توقع الطفل أن الرجل الغريب تابع لأحد الأجهزة الأمنية وأنه جاء للقبض على «القرموطي»؟ وهل يعني هذا أنه «مسجل خطر»؟ لكنك لن تجد إجابة عن السؤال، بل إن السيناريو يفاجئك بأن «القرموطي» يورِّد البضائع لوزارة الداخلية!

هذا ما يسمونه «اللغو» أو «الحشو الرخيص»، الذي تجاوزه الفيلم بسرعة من خلال لقطات طريفة يبدو فيها «القرموطي» مبهوراً، وهو يتابع بالنظارة ثلاثية الأبعاد الأعمال الفنية المصنوعة بتقنية

الـ«3D» (اختصار لكلمة dimensional3)، ويندمج في ما يراه حتى أنه يتخيل أن النار، التي اندلعت في شقته من دون أن يدري، هي جزء من الفيلم الذي يراه على الشاشة، قبل أن يعود إلى صوابه، مع صراخ زوجته «نرجس» (بدرية طلبة)، ويستدعي «المطافئ» التي تصل متأخرة كالعادة. لكن كاتبي السيناريو محمد نبوي وعلاء حسن ينتقلان من مرحلة الكوميديا الطريفة إلى السخرية اللاذعة، مع اتهام الضابط المسؤول عن قوة «المطافئ» المواطن «القرموطي» بالبلاغ الكاذب، وإزعاج السلطات، ويُطالبه بتسديد غرامة قدرها خمسمئة جنيه مصري، بحجة أن القوة وسيارة «المطافئ» لم يجدا حريقاً عند وصولهما، بعدما نجح أهالي الحارة في السيطرة عليه، ويلجأ «القرموطي» إلى حيلة غاية في الطرافة، عندما يُشعل الحريق في الشقة مجدداً ليتخلص من الغرامة والبلاغ!

بداية رائعة للمخرج أحمد البدري اكتملت بتنديد جريء بظاهرة اعتلاء المنابر في المساجد، بواسطة «الدخلاء»، في تقارب درامي مثير مع فيلم «مولانا»، إذ يغيب خطيب المسجد بسبب وعكة صحية فيتبرع أحد الملتحين بإلقاء خطبة الجمعة، التي يكفر فيها المجتمع، ويبشره بالجحيم. ونعرف من الحوار، من دون وجود للصورة، أن «القرموطي» فجر جدلاً ومعركة في المسجد «ما حصلش من ساعة دخول الإسلام إلى مصر»، وفي مشهد لاحق يحذر من خطورة الخطيب المدعي، وأمثاله، على جيل الشباب، ويتراكم المعنى عبر المشهد الذي يعود فيه الشاب «ميدو» (محمد عادل) إلى والديه (علاء زينهم وعفاف رشاد) بعد غيبة دامت سنة هجر خلالها والديه، ودراسته في كلية الهندسة، ويفاجأ الأب والأم، ومعهما «القرموطي»، الذي رباه صغيراً، بالتغيير الذي طرأ عليه شكلاً (لحية منفرة) وفكراً (تطرف مقيت) وسلوكاً (غلظة وعقوق وتكفير للوالدين) ما يدفع «القرموطي» إلى طرده من دون رجعة!

وسط هذه التداعيات يصل السيناريو إلى ذروة سخونته مع إصرار زوجة «القرموطي» على الذهاب إلى المصيف مع شقيقتها (شيماء سيف) وزوجها (علاء مرسي)، ويمتثل لرغبتهم. وفي مرسى مطروح يذهب في رحلة صيد، مع زوجته وزوج شقيقتها، تنتهي بالقبض عليه، بواسطة مقاتلي «داعش» في سرت الليبية، وأميرها (محمود حافظ)، الذي ظنه منتمياً إلى جبهة النصرة. وفي ما يشبه تصفية الحسابات بين التنظيمات المتناحرة، صدر الحكم بإعدامه، ومجاهدي النصرة، في تمثيلية تعيد التذكير بمشهد ذبح الرهائن على الشاطئ الليبي، وتفضح دور العملاء الأجانب في التنظيم. لكن «الأمير» يفطن، من خلال «ميدو»، إلى عمل «القرموطي» مع الداخلية، ويُدرك أن «استخدام الأسير أهم من إعدامه»، من ثم يوظفه لتفجير مديرية الأمن بسيارة مفخخة، فيما يفضح «القرموطي»، الذي يحفظ القرآن، ويختمه ثلاث مرات في شهر رمضان، الدولة المزعومة التي حولت المدارس إلى معتقلات، والحدائق إلى ساحات إعدام، ويسخر من مبدأ السمع والطاعة الذي أطلق عليها «نطاعة»، ويُندد بانشغالنا العجيب بحروب عبثية جانبية نسينا معها عدونا الحقيقي، ويُفند ظاهرة تكسير الأصنام المزيفة، وتهريب الآثار الأصلية، واتهام أمراء الدولة الوهمية بالاتجار في الآثار والمخدرات، بالتعاون مع الصهاينة. فالفيلم يبث رسائل وأفكارا كثيرة لا تتسع المساحة لذكرها، وكان الأحرى بالنقاد والصحافيين والإعلاميين التوقف عندها، بدلاً من تجاهل الفيلم بهذا الشكل المؤسف، حتى لو حفل ببعض الثغرات، كالتوظيف السيئ للغرافيك، والنهاية السعيدة المفتعلة، والمباشرة التي لم يكن هناك بدٌ من وجودها!