في أحد الأيام، بينما كان الرسام التشكيلي أنس البريحي ينظر من شرفة منزله، رأى فتاة ذات ملامح تنمّ عن إصابتها بـ «متلازمة داون»، تلعب بهدوء وسكينة مع دميتها في حقل الفول قرب منزلها. أسرته بالسكينة البادية على وجهها وبحركاتها الطبيعية والعفوية، فقرر مراقبتها ورسمها، هكذا رأت مجموعة من اللوحات النور تحت عنوان «منال» اسم الفتاة التي رسمها أنس.

لأنها مختلفة، تعاني منال تهميشاً من مجتمعها، مع ذلك، تبدو مطمئنة وعلى جانب من الراحة، لا تعير أهمية للغير، كونت عالمها الخاص بها، وتعيش وسطه بعطف واهتمام وحب.

Ad

تعبيرية رمزية

رسم أنس البريحي وجوه منال المختلفة، معتمداً أسلوباً تعبيرياً عفوياً لا تفاصيل فيه بل خطوط تغوص في عمق شخصية منال وذاتها، مكتشفاً غنى فيها ونوراً في ملامحها، فكانت الرمز الذي أدخله إلى عمق ذاته والبحث عن الناحية الطفولية فيها، يقول في هذا المجال: «منال هي تناغم مختلف... خطوط تتشكل من ضوء... وبساطة تحاكي طفولتي... هي المرآة التي تعكس حقيقتي».

في معرضه الجديد لم يبحث أنس البريحي عن مقاييس جمالية أو تناسق في الشكل، بل كان جلّ همه تصوير عالم منال، عاكساً بساطته وفي الوقت نفسه أهميته في عالم يضج بالحركة المسيطرة في خارج الذات وداخلها، وأفرد مكاناً مهماً لتهميش الأنا في اللهاث وراء الحياة، فيما تبدو منال في اللوحات، رغم أنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، مسيطرة تماماً على «أناها» وعالمها، تسرح فيه وتمرح بحرية، ويتجلى ذلك من خلال نظرات عينيها، كذلك في بعض اللوحات تظهر كأنها في جلسة تأمل، قد يكون تأمل الناس المحيطين بها، وقد يكون انتظار أحد قد يمد لها يد حنان ونظرة اهتمام.

لم يخرج أنس البريحي منال من بيتها، ولم يضفِ على لوحاته تآليف وتراكيب، بل كانت منال محور الاهتمام، تتصدر اللوحات بوضعيات مختلفة، تارة في قلب منزلها جالسة على الأريكة، وتارة أخرى على مقعد وقربها دميتها التي تبثها أشجانها وربما تعوض لها غريزة الأمومة التي لا بد من أنها استيقظت في داخلها رغم حالتها.

الناظر إلى اللوحات يرتاح أمام وجوه منال وملامحها الصادقة والبريئة، فيعود عن غير قصد منه إلى الماضي الجميل، ورغم تراكم سنوات العمر، تبقى منال طفلة تحاكي مباشرة النزعة الطفولية... بالطبع لم تقصد كل ذلك، إنما طريقة رسمها، ومنحها المساحة الأكبر في اللوحات ابتكرا مساحة تفاعل مع الرائي، قد تحلّق به إلى عوالم لا تعرف حدوداً.

علامات استفهام وأسئلة تظهر جلية في عيني منال حول كل ما يحيط بها، إلا أن هذه الأسئلة التي قد يرافقها قلق ما لا تجد لها أجوبة لأن نظرة الناس إليها تزيد تساؤلاتها بدل أن تخففها.

نبذة عن البريحي

ولد أنس البريحي عام 1991 في سورية. هو فنان متعدد التخصصات مع تركيز على الرسم والعلاج بالفن. درس الرسم والتصوير الفوتوغرافي في جامعة الفنون الجميلة في دمشق. مع بداية الحرب في سورية انتقل البريحي إلى لبنان حيث انهى دراسته العليا في علم النفس والعلاج عن طريق الفن، ونال الماجستير من الجامعة اللبنانية.

سبق أن عرض في 2016 مجموعة من اللوحات تحت عنوان «مهاجرون رغم الحب» تضمن 12 لوحة زيتية بقياسات مختلفة، سلطت الضوء على عيون المهاجرين وطريقهم ومحاولاتهم للنجاة، بأسلوب يقترب من التعكيبية الحديثة والتعبيرية...

حول معرضه هذا قال: «بعد أكثر من ثمانية أشهر من العمل أنهيت بحثي الجديد برؤية دائرية التكوين لأتناول قصة كثيراً ما أثرت بي في الآونة الأخيرة. هم سوريون في رحلة البحث عن وطن أكثر أماناً، سميت رحلتهم هجرة غير شرعية. هم مهاجرون رغماً عن حبهم الشديد للبقاء... 

حبهم للوطن... للدفء العتيق لكنهم تدافعوا باختلافهم وبألوانهم وبأديانهم وبأفكارهم».

تابع: «بعد بناء أول لوحة بت أشعر بأنني معهم، أحزن لغرقهم... أفرح لنجاتهم عندما أرسم دولاباً أو سترة، عشت الألم في عيونهم... هم إخوتي وأبناء وطني سورية».