خلال حملته الرئاسية تعهد ترامب بألا تحقق إدارته إلا كل ما هو إيجابي، واعتبر الرئيس الجديد في حجته الاستراتيجية الرئيسة أن الولايات المتحدة ترزح تحت عبء التزامات مفرطة، ويقوم المنطق الرئيس وراء هذا الإفراط في الالتزامات إلى استبدال الولايات المتحدة نظاماً من العلاقات المتعددة الأطراف بتحليل دقيق للمصالح الوطنية.

ويشكّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) المثال الأبرز، فقد شاركت الولايات المتحدة في حروب في أفغانستان والعراق وغيرهما من دول العالم الإسلامي، لكن الناتو لم يقدّم دعماً استراتيجياً حاسماً لهذه الجهود، حيث قدّم كثيرون مقدار الدعم الذي يستطيعون تزويده ويرغبون فيه، إلا أن معدل الدعم هذا ظل أدنى بأشواط من مقدرات أعضاء الناتو.

Ad

تركّز نشاط الولايات المتحدة الاستراتيجي الرئيس طوال السنوات الخمس عشرة الماضية على العالم الإسلامي، فاعترض كثيرون في الناتو على العملية الأميركية في العراق، وباستثناء المملكة المتحدة لم يقدموا لها دعماً يُذكر، فلا يُعتبر أعضاء هذا التحالف ملزمين بالانضمام إلى صراعات تشنها الولايات المتحدة خارج نطاق تركيز الناتو.

إذاً، الولايات المتحدة ملزمة بالدفاع عن أوروبا، إلا أن هذه الأخيرة ليست ملزمة بالدفاع عن المصالح الأميركية، التي تكمن اليوم خارج أوروبا. ويعتقد ترامب أن من الضروري أن تخضع هذه العلاقة لعملية إعادة تفاوض متبادلة.

تشمل المواضيع الرئيسة في السياسة الخارجية التي تشغل الولايات المتحدة اليوم (وغيرها من الدول أيضاً) التطرف الإسلامي، وخصوصاً في تجلياته الأخيرة: "داعش".

تبدو الولايات المتحدة جاهزة للعمل مع حليف مستعد أن يخصص الموارد اللازمة لهذا الهدف وأن يشاركها في المخاطر، ومن هؤلاء الحلفاء روسيا، التي تواجه مشكلة داخلية مع الإرهابيين الإسلاميين وتتمتع بقدرات كبيرة يمكنها تخصصيها لهذا الهدف.

يعتبر ترامب أن مصالح الولايات المتحدة وروسيا تتلاقى، وتستطيع واشطن وموسكو أن تتفقا على حل لمشكلة أوكرانيا، إذ تتمتع كييف بروابط اقتصادية وسياسية مع الغرب، غير أن أوكرانيا لا تصبح جزءاً من أي تحالف ولا تتحول إلى قاعدة للقوات الغربية، فالولايات المتحدة تريد إنشاء حاجز صد بغية حماية حلفائها في أوروبا الشرقية، ولكن بخلاف ذلك لا تملك أي مصالح مهمة في أوكرانيا، ويعتبر ترامب أن الحل يكمن في الإقرار بأن مرحلة التعددية ما بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهت.

أعلن ترامب معظم هذه التفاصيل بطريقة غير متناسقة، ولكن إن تجاهلنا العيوب الخطابية وتأملنا جوهر ما قاله، نلاحظ أنه يملك سياسة خارجية متماسكة وجذرية، فهو يقترح إعادة تحديد سياسات الولايات المتحدة الخارجية بالاستناد إلى الوقائع الحالية لا تلك التي كانت سائدة قبل 40 سنة، وتشكّل هذه سياسة خارجية تبلغ معها القوة الأميركية حدها الأقصى بغية تحقيق الأهداف الأميركية.

ليس المهم السؤال عما إذا كان ترامب سيطبق هذه السياسة بعد تسلمه منصبه أو ما إذا كانت هذه سياسةً ناجحة النقطة الأساس، لكن الأهم أنه قدّم في تصريحاته سياسةً حقيقية، فضلاً عن أنها ليست متهورة، فما زالت السياسة الأميركية تتمسك تلقائياً باتفاقات تعود إلى ثلاثة أرباع القرن، ومع أن العالم تبدّل لم يتغيّر شكل سياسة الولايات المتحدة، لكن ترجمة هذه السياسة الجديدة على أرض الواقع يشكّل مسألة مختلفة بالنسبة إلى ترامب.

* جورج فريدمان