الأصوات الغريبة التي تعالت في الفترة الأخيرة وهي تحمل نبرة عنصرية واضحة وصريحة لم تكن أصواتا فردية حتى نتجاهلها وندعي أنها لا تمثل سوى حناجرها فقط وليست مسؤولة عما بدر منها. ولو كانت كذلك لما تمت مواجهتها بالرفض من قبل مجموعة من الكتاب وتأييدها من قبل آخرين.

الحقيقة أن هذه الأصوات، وبالذات ما صدر عن ممثلة الشعب في مجلس الأمة، جاءت نتيجة ثقافة مجتمعية نشأ عليها جيل كامل هو الآن في صدارة القائمين على التشريع أولا، ونشر الوعي السياسي والاجتماعي لدى العامة ثانيا. تلك الثقافة البغيضة التي رسخت في المواطن الكويتي أنه حاكم ومتحكم في مواجهة كل ما هو غير كويتي، وأن مسطرة العدالة المطبقة على غيره لا تطبق عليه.

Ad

مجرد أن ينمو وعي هذا المواطن البسيط ومنذ بداية دراسته الابتدائية، فهو يعرف أو يتم تعريفه بأنه أهم من مدرسه الوافد، وأهم من زميله غير الكويتي، وأهم من بعض زملائه الكويتيين الأقل وجاهة ونفوذا ومالا وسلطة.

يعيش هذا المواطن، حتى الذي يغادر المدرسة ويفشل فيها، وهْم أنه أفضل من كل الأيدي العاملة التي تبني وطنه، وأفضل من العقول التي تخطط اقتصاد البلد، وأفضل من الطبيب الذي يعالجه، فشهادة المواطنة هي الأهم في حدود وطنه.

هذا الوعي الزائف ينمو تدريجيا تغذيه كل وسائل التمييز العنصري، ولا تردعه ثقافة واعية. فحين تصرح "النائبة" بأن على الوافد أن يدفع ضريبة على استخدام الشارع، وأن يتم تطبيق العدالة الاجتماعية، بإعفاء الكويتي من أي التزام، وإلزام الوافد بتحمل كل ما يضمن هذا الإعفاء، فهي تحقق مطالب قواعدها الانتخابية. فالنائبة تعلم أن لديها قواعد انتخابية يستمعون إلى طرحها، وهي تقدم لهم هذا الطرح المقبول، وتحقق لهم ما يلائم وعيهم الحقيقي بالأفضلية، وبذلك تضمن عدم معارضتهم لها، لأنها تعرف جيدا وربما آمنت مثلهم بهذه الفوقية المزيفة التي يتمتعون بها.

تريد النائبة ضريبة من عمال لا يتسلمون أجورهم لأشهر طويلة، ومتى طالبوا بها يتم إبعادهم وجلب غيرهم، تريد النائبة ضريبة من عمال لم تحدد لهم الأجر الأدنى الذي يضمن كرامتهم المعيشية، ولا تهتم كنائبة بخطاب رسمي من جهة حكومية يمنع الموظفة "البدون" في الصحة والتعليم من أي إجازة أمومة أو مرض أو حتى تخفيف ساعات العمل عنها، لأن الأمر لا يهم قواعدها التي تدافع عنها.

الأكثر إزعاجا في هذا الموضوع هو دور المثقف والكاتب والصحافي، مع احترامي لمجموعة من الإخوة الكتاب، الذين وقفوا بكل صلابة ضد هذا الطرح العنصري، إلا أن المطلوب هو دور أكبر من مثقفينا وكتابنا وأدبائنا، للمساهمة في العمل على إصلاح هذه النظرة، وإعادة الإنسانية للكثير من فاقديها.

ورغم أن الموضوع يحتاج إلى ثورة تعليمية وثقافية واجتماعية نحو بناء جيل يتخلى عن عناصر التفوق الوهمي والمساهمة الحقيقية مع الإخوة الوافدين في بناء وطنه، إلا أن الوقوف في وجه هذه التصريحات العنصرية يجعل أصحابها يتراجعون أو على الأقل يتراجع مؤيدوها عن إعادة طرحها، وكأنها سلوك سويّ لا غرابة فيه. أما الصمت عنها، فهو تكريس هذه الأصوات، لتؤمن بأنها على حق فيما تطرح.