على الرغم من صعوبة الإجراءات التي كانت تواجه بعض المسافرين في تلك الفترة، فإن أوراق مديحة وابنتها انتهت سريعا، ولم تستغرق وقتا طويلا في السفارة بالقاهرة، وفي أقل من أسبوعين كانت تستقل الطائرة باتجاه جدة لبداية مناسك العمرة التي غيرت كثيرا في مسار حياتها.

اللافت أن مديحة لم تكن ساعية لأداء العمرة، لكن سرعة الانتهاء من الإجراءات جعلتها تشعر بأنها قريبة من الله، وعليها أن تبادر بزيارة الأراضي المقدسة، وبالفعل انقطعت 10 أيام بشكل كامل عن أي أعمال، وسافرت بين مكة والمدينة برفقة ابنتها، ولم تتواصل مع أي شخص آخر بخلاف والدتها التي اتصلت بها مرات عدة للاطمئنان عليها.

Ad

عاشت النجمة السينمائية حياة زهد وتقرب إلى الله في الأيام العشرة، ابتعدت عن متع الحياة وتقربت إلى الله، وأقامت الصلاة في مواعيدها بالمسجد، وارتدت الحجاب، وانتظمت في قراءة القرآن للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت بالبساطة والطهر والنقاء، وعاهدت ربها على التقرب أكثر.

عادت مديحة ولديها قناعة بالحجاب أكثر من أي وقت مضى، فالفنانة التي عرفت بالإثارة والإغراء قررت اعتزال الملابس العارية في أعمالها، فعادت من العمرة مقررة عدم ارتداء المايوه أو أي ملابس عارية وكذلك الفساتين "الكات" و"الميني جيب"، واعتبرت أن خطوة الحجاب باتت محسومة وليست أكثر من كونها مسألة وقت عندما تغير مهنتها.

خلال تلك الفترة كانت مديحة تقوم بأعمال خيرية كثيرة لا تتحدث عنها ولا يعرفها كثيرون، بينما كانت تحاول تقليل أعمالها وتقديم ما يوفر لها احتياجاتها المادية فحسب، ما جعلها تقدم تجارب سينمائية محدودة بين فيلمين أو ثلاثة في آخر أعوامها بالتمثيل، مع اعتذاراتها المتكررة عن عدم تقديم أفلام إثارة كانت تعرض عليها.

الاعتزال

دخلت مديحة في صراع نفسي شديد خلال الأيام التي سبقت اعتزالها، ليس فقط بسبب إدراكها الصعوبات التي ستواجهها في حياتها الجديدة بعيدا عن الأضواء والكاميرات، ولكن للتناقض الشديد الذي كان بداخلها، ففكرة الأمان المستقبلي كانت تزعجها، خاصة أنها رأت في تجارب فنانين كثيرين نهاية مأسوية، وهو أكثر ما كان يجعلها تشعر بالخوف من الغد.

فكرت مديحة في فكرتين متناقضتين تماما، إما أن تفتح "كباريه" وتقوم بالغناء والرقص فيه وتتابع إيراداته، أو تزهد الدنيا وحياتها، وتبتعد عن الأضواء وترتدي الحجاب، لكنها في النهاية استقرت على الخيار الأخير، إذ كانت تخشى غضب الله عليها، وأن يأتي هذا الغضب في ابنتها ميرهان التي كانت تعشقها، وتشعر بأنها جزء من جسدها وحياتها.

في هذه الفترة لم تنحسر الأضواء عن مديحة، صحيح أنها قدمت في تلك الفترة أعمالا أقل من المستوى، لكنها قدمت تجارب أخرى ناجحة ومميزة منها "العفاريت" الذي ساندت فيه المطرب الشاب آنذاك عمرو دياب وحقق نجاحا كبيرا.

تعاملت مديحة في تلك الفترة مع الفن باعتباره مجال عمل ستتركه قريبا جدا، لكن عليها أن تدعم الشباب كما وجدت من دعمها في بدايتها، فكانت تدعم المواهب الشابة، ما دفعها لإسناد بطولات برفقتها في أعمالها لممثلين شباب مثل هشام عبدالحميد، رغم أنهم كانوا في بدايتهم الفنية.

حسمت مديحة أمرها بالحجاب، خاصة بعدما شعرت بالندم على تقديم مشاهد لم ترض عنها في فيلم "المزاج"، لكنها لم ترغب في أن تسبب ضررا للمحيطين بها، فكانت لديها عدة ارتباطات انتهت منها، لكن ظلت مشكلة فيلم "بوابة إبليس" مع هشام عبدالحميد قائمة، بسبب تعطل تصوير الفيلم ورغبتها في الحجاب، واتجاه المنتج لتقديم فيلم آخر وإبقاء مشاهدها الأخيرة بالفيلم معلقة، الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ قرار الحجاب وعدم استكمال التصوير، حيث اضطر المنتج للاستعانة بدوبليرة تقوم بأداء مشاهدها الأخيرة قبل عرض الفيلم الذي طرح بعد اعتزالها.

تقول مديحة عن هذه الفترة: "مسألة الحجاب والاعتزال غيرت حياتي، وحدث هذا الأمر بسبب أحاسيس خاصة سيطرت عليّ، وجعلتني أعتزل وأرتدي الحجاب، وتحجبت في رمضان 1992 ودعوت الله أن يهديني للحج فاستجاب الله لدعائي".

ما بعد الاعتزال

وعلى الرغم من اعتزال مديحة وارتدائها الحجاب، فإن وجهة نظرها تجاه الفن لم تتغير، فلم تتبرأ من أعمالها الفنية التي قدمتها، رغم ندمها على الاشتراك في بعض الأفلام، وهو ما ظهر واضحا في الجلسات الدينية والثقافية التي كانت تحضرها بعيدا عن الأضواء، وهي جلسات نسائية لم يسجل منها سوى القليل بالفيديو وبموافقة الحاضرات.

في إحدى الجلسات المصورة تقول مديحة: "أنا امرأة مسلمة، أحب الله، قررت أن أتقرب منه وأعرف ديني أكثر، أنا مازلت تلميذة في العلم، وأجتهد في هذه الجلسة في أن أحكي مشاعري وأحاسيسي قبل الحجاب، وفي أثناء عملي في السينما حدثت لي حادثة في حياتي هزتني بشدة، وهي وفاة أخي الذي كان يبلغ من العمر 17 سنة، وكان ذلك عام 1978 بعد هذا الحادث بدأت أتقرب إلى الله وأصبحت أواظب على صلاتي، حتى وأنا أمثل كان موعد إقامة الصلاة مهما جدا ومقدسا بالنسبة لي، وكنت في ذلك الوقت أمثل دوري في مسلسل (العنكبوت) للدكتور مصطفى محمود، الذي صبرني على مصابي وجعلني أتماسك".

وتواصل: "بعدها الدنيا أخذتني... الموضة، النجومية، بريق السينما. ومنذ 5 سنوات زهدت الدنيا والعمل، وكنت أتحاور مع نفسي وأنا في غرفة الماكياج استعدادا لمشهد أقوم بتمثيله في البلاتوه، وأقول لنفسي: أنا بعمل إيه؟ وإلى متى؟ وهو الموضوع ده ليست له نهاية؟ وبعدين كنت أشعر أنني غريبة عن الوسط الفني... كنت أذهب يوميا للاستديو، وبالرغم من حب كل الناس، فإنني كنت أشعر بغربة شديدة... حسيت إني عايزة أبطل وأذهب لمكان تاني مش عارفة هو إيه... هذا ليس إساءة للوسط الفني، بالعكس أنا أحترم هذا الوسط جدا، لكن كل هذه أحاسيس خاصة لي، كنت أكسب الآلاف ومش عارفة فلوسي بتضيع في إيه... مش حاسة بطعم الأكل ولا عارفة راحتي فين... كنت تعبانة".

تستطرد مديحة حديث الصدق والصراحة: "أثناء هذا الوقت مرضت أمي قبل اعتزالي بعام، وبدأت رحلة التأمل وإعادة الحسابات مع نفسي، أدركت أن المرض ليس له ميعاد، ومن هنا شعرت أن الحياة ليس لها أمان، وفي أوائل شهر رمضان عام 1992 بدأت أذهب إلى رجال الدين وأتناقش مع أقاربي. سألت مولانا الشيخ محمد متولي الشعراوي: كيف أتعلم ديني؟ فقال لي: الدين يعلم في 5 دقائق، لكن هناك اجتهادات شخصية على الإنسان أن يفعلها بنفسه من قراءات وتثقيف ديني، وكلما اجتهد الإنسان أكثر ترقى أكثر عند الله لتدخل في نوبة بكاء قصيرة، قبل أن تعود لتواصل حديثها بصوت أكثر خشوعا قائلة: "اسمحوا لي أن أشبه الإنسان الذي يولد بلمبة الجاز... اللمبة مصنوعة من زجاج شفاف فيه نور، هكذا يولد الإنسان بنور داخله يشع منه، لكن مع السنوات هذا الزجاج الشفاف يمتلئ بغبار من أخطاء الحياة حتى يعتم الزجاج ولا يظهر النور الداخلي"، موضحة أنها بدأت حجابها بـ "بونيه" على شعرها ثم طرحة.

عاشت مديحة حياة اجتماعية هادئة بعد الحجاب والاعتزال، لم تكن ترفض مشاهدة أعمالها، على العكس كانت تستغل عرضها على الشاشة لتحدث ابنتها عن كواليسها، وتحكي لها أسرارا لا تعرفها وبعضها لم ينشر حتى الآن، بينما كانت تحرص على الاستماع إلى حديث الشيخ الشعراوي الأسبوعي في التلفزيون، فقد كانت تثق بآرائه وتتابعه بشغف، فيما طلبت من ابنتها ألا تشتري أي مجلات فنية مكتفية بمتابعة الأخبار على شاشات التلفزيون.

لم يكن لدى مديحة رغبة في قراءة أخبار تثير غضبها، خاصة أن الشائعات لم تتوقف حول حياتها بعد الاعتزال، وبعض الصحف كتبت عن حصولها على أموال حتى تعتزل وترتدي الحجاب، ما أثار ضيقها بشدة، بينما ظلت على تواصل مع صديقاتها من الفنانات سهير رمزي، وشمس البارودي وهناء ثروت، حيث تبادلت معهن الزيارات، وكانت أكثر صديقة مقربة إليها هي سهير رمزي التي كانت تستضيفها في منزلها.

المرض

عانت مديحة من آلام في قدمها خلال عملها المستمر، فعلى الرغم من أن إصابتها المرضية الأولى كانت قبل أكثر من 3 عقود، فإنها عادت لها بعد أشهر قليلة من الاعتزال، فتكررت الجلطة في قدمها، ما جعلها تتابع صحتها مع الأطباء بحرص، خاصة أنها كانت لا تتحرك كثيرا من منزلها، فكانت قليلة الخروج لا تتوجه إلا للدروس الدينية والجلسات النسائية مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً.

اكتشفت مديحة أن الجلطة الجديدة في القدم صاحبتها آلام في الرئة ومشاكل في القلب، ما جعلها تعيش لفترة طويلة على متابعة دقيقة مع الأطباء، حيث تبين لها إصابتها بتضخم في عضلة القلب، وكانت تتابع مع مشفى قريب من منزلها على مدار أكثر من عامين، تناولت خلالها كمية كبيرة من الأدوية من بينها جرعات من" الكورتيزون" كانت سببا في زيادة وزنها بشكل ملحوظ، وخلق لديها رغبة في الابتعاد عن الناس، حيث دخلت في حالة اكتئاب استمرت فترة ليست قصيرة، لم تستطع تجاوزها إلا بمساعدة ابنتها التي تزوجت من رجل أعمال شاب.

لم تكن مديحة تحمل هم مرضها فحسب، لكنها عانت أيضا مرض والدتها التي تدهورت صحتها بشكل كبير، بسبب إصابتها بجلطة في المخ، حيث ظلت تتلقى العلاج بصفة منتظمة، لكن هذا العلاج أدى إلى إصابتها بضمور في المخ، وتمسكت الأم بأن تبقى في مسقط رأسها بالإسكندرية، ما جعل مديحة تتنقل بين ابنتها في القاهرة ووالدتها في الإسكندرية.

الساعات الأخيرة

قبل بداية شهر رمضان بأيام عام 1997 كانت مديحة في زيارة لمنزل صديقتها شهيرة، حيث حضرت جلسة دينية في منزلها للاستماع إلى نصائح الاستفادة من شهر رمضان، وعلى الرغم من مرضها ونصيحة الطبيب لها بعدم الصيام، فإن مديحة رفضت، وأصرت على الصوم في شهر رمضان.

كانت مديحة مليئة بالحيوية والنشاط ولديها شعور بأنها تعيش أسعد أيام حياتها، فعلى الرغم من أنها كانت تتابع حالة والدتها الصحية يوميا، فإن الراحة النفسية التي كانت تشعر بها جعلتها تقضي أيامها الأخيرة في الحياة ومعنوياتها مرتفعة.

في الليلة الأخيرة تناولت مديحة السحور مع ابنتها وزوجها قبل أن يصلوا الفجر جماعة، وتنتقل إلى غرفتها، حيث اعتادت قراءة القرآن لمدة ساعتين بعد الفجر، جلست مديحة مع ابنتها وزوجها طارق السيسي بعد انتهائها من قراءة القرآن قبل الساعة السابعة بقليل، حيث كان طارق يستعد للذهاب إلى عمله، بينما استعدت مديحة وابنتها للنوم مع شروق الشمس.

تضبط جرس المنبه على الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا من أجل الاستيقاظ لأداء صلاة الظهر، وهي العادة اليومية التي تقوم بها، حيث كانت تواصل نومها بعد أداء الصلاة في موعدها، لكن في هذا اليوم لم تستيقظ على جرس المنبه، ما دفع ابنتها للدخول إلى غرفتها للاطمئنان عليها، لتفاجأ بأنها لا تستجيب لها، ويظهر لون أزرق على وجهها.

هرولت ميرهان إلى مركز القلب المواجه للمنزل، حيث قام الطبيب بالصعود معها إلى منزل والدتها وطلب "ترولي" لنقلها إلى المركز، وتم تجهيز غرفة لها، لكن ما إن صعد إلى الشقة من أجل توقيع الكشف الطبي عليها، حتى فوجئ أنها توفيت قبل أكثر من ساعة، لترحل في هدوء عن عالمنا وتجلس والدتها في العزاء غير مستوعبة ما حدث، فالأم الطاعنة في السن لم تستوعب خبر وفاة ابنتها، وبكت ميرهان حزنا على فراق والدتها... وصُدم الجمهور العربي الذي عشق الفنانة الجميلة.

ميرهان بعيداً عن الأضواء

حالة عدم الرضا عن الحياة التي عاشتها مديحة كامل تحت الأضواء جعلتها ترفض التطرق للحديث عن ابنتها في لقاءاتها التلفزيونية إلا نادرا، كذلك في مقابلاتها، فكانت حريصة على أن تضفي على حياتها خصوصية تجعلها بعيدة عن الأضواء، وألا تكون ضحية لشهرة والدتها، وهو ما نجحت فيه بالفعل.

اعتبرت مديحة أن ابنتها خط أحمر لا تسمح بالاقتراب منه، أو الحديث عن خصوصياته، فتقول عن علاقتها بابنتها: ابنتي وأنا كيان واحد.. كانت ترفض أن تتركني لحظة.. تذهب معي دائما إلى مكان التصوير وتجلس معي في غرفتي الخاصة بي في الاستديو لتذاكر دروسها، وأنا أتابعها وأذاكر لها في وقت الاستراحة، وعندما أسافر لتصوير بعض المشاهد الخارجية لأفلامي أقدم طلب إجازة إلى مدرسة ميريهان لاصطحبها معي في سفرياتي".

تواصل: "لم تستطع السينما أن تأخذني ببريقها من واجباتي كأم، فكنت حريصة بشكل شبه أسبوعي على زيارة مدرسة ميرهان لأطمن على مستواها الدراسي، وفي أيام الامتحانات كنت أعود من تصوير أفلامي في الخامسة صباحا أشرب القهوة في المنزل، ثم أقوم بتوصيل ميريهان إلى لجنة الامتحان، وأنتظرها في السيارة حتى تنتهي من الامتحان وأعود إلى المنزل، ونتناول الغداء معا وأطمئن عليها وتدخل غرفتها لتنام... كنت حريصة على أن أعلم ابنتي الأخلاق والسلوك الصحيح".

المؤكد أن العلاقة بين الأم مديحة وابنتها ميرهان لم تكن مثالية، خاصة في الفترة التي سبقت اعتزال مديحة وارتداءها الحجاب، فالابنة التي رفضت حياة السهر والتمثيل كانت دائما تطالب والدتها بالاعتزال ومحاولة تغيير حياتها، ما ساعد على تحسن علاقتهما بعد الاعتزال.

لم تستطع مديحة التي زوجت ابنتها من الشاب طارق السيسي في نفس عام اعتزالها وارتدائها الحجاب الابتعاد عنها، فبعدما أوصلتها لمنزل الزوجية بعد انتهاء الزفاف دخلت في نوبة بكاء، وعاشت أياما صعبة بمفردها، قبل أن تعود ابنتها إليها وتنتقل برفقة زوجها ليقيما معها بعد شهرين فقط من زفافها وحتى وفاتها.