الخطيئة الكبرى التي ارتكبناها في الصحافة الكويتية، ولم ترتكب وفق علمي في صحافة عربية أخرى، هي أننا فصلنا الشعر العامي عن الشعر العربي الفصيح في الصفحات الثقافية، وخصصنا للشعر العامي صفحات خاصة، وكأننا نحاصره ثقافيا ونمنحه الهامش. وتلك حالة لا أجد لها مثيلا في الصحافة العربية، التي كانت تتعامل مع شعراء العامية كجزء من المنتج الشعري، وتحتل قصيدته المكان الذي تحتله القصيدة العربية، وما يحدد نشر أي من القصيدتين هو مستوى الشعر وليس اللغة أو اللهجة التي كتب بها. ثم تطور الأمر خليجيا أيضا، لنساهم جميعا في إصدار مجلات للشعر العامي في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لنكرس هذه القطيعة.

كانت الصحافة الخليجية، والكويتية تحديدا، توكل فيها الصفحات الثقافية للإخوة العرب، الذي كانوا سببا في نهضتها، وبالتأكيد لم يكن الشعر العامي مفهوما ليحتل مكانه في الصفحة الثقافية. واستمر هذا الخطأ حتى يومنا هذا، وبعد أن أشرف على هذه الصفحات صحافيون محليون.

Ad

وأقول إن تلك خطيئة كبرى، لأننا حرمنا أصواتا كبيرة ومميزة تجاوزت في شعرها العامي الشعر العربي الذي كان ينشر في صفحاتنا الثقافية. ومن هذه الأصوات وأهمها كان مساعد الرشيدي، الذي فجعنا قبل أيام برحيله. كانت صدمة رحيل الشاعر مساعد الرشيدي كبيرة على أصدقائه ومحبيه وعشاق شعره. وبالتأكيد رحيل شاعر وهو في منتصف العمر وقمة العطاء وبعد خبرة السنين يعد خسارة إنسانية وثقافية.

ورغم اهتمام العديد من الباحثين بالشعر العامي وتطوره الكبير على يد مجموعة من الشباب، فإن البحث في تحليل هذا الشعر وخروجه عن الأطر التقليدية إلى الصورة الحديثة وتطوره اللفظي والتركيب الشعري مازال مقصرا تجاه جماليات شعرنا العامي. وسأنقل هنا رأي أحد المهتمين بدراسة تطور الشعر العامي، وهو د. سعد البازعي، وما نشره عن الشاعر مساعد الرشيدي ونقد قصيدته التي منها هذه الأبيات:

"قلت اجمع برد ليلي وهمي وحطبي قلتها واقصى ضلوعي ذياب عاوية

الشتا يلسع ورا البال والليل يحبي والطعون اقفت فرادى وجت متخاوية

صاحبي لامرك الشوق مره... مر بي لا تجيني مع هجوس تجيني ضاوية

آه يا صعب اغترابي بعدك وما اصعبي عقبك الدنيا غدت متساوية".

هذا النمط من القول الشعري جديد بكل تأكيد بالقياس لما يعرف من شعر نبطي، وإذا كنا نحاول هنا تجاوز مجرد القول بالتجديد أو التعبير عن الإعجاب به، فمن الضروري أن ننظر في الأمثلة، ولابد من الانتقاء. ولنأخذ البيت الثاني، مع أن كل بيت يدعونا لأخذه: فوقوف الشتا ورا البال وحبو الليل هو ضرب من التصوير المجازي الغريب على السائد من التركيب المجازي، فثمة تجسيم هنا وقلب للمألوف: الشتا الذي يلسع كما يفعل نقيضه الصيف، والبال الذي يتحول إلى باب يقف الشتاء خلفه، والليل البطيء إلى درجة الحبو، كل هذه مجازات جديدة، إن لم يكن بمعناها، ففي صياغتها. لكن الصورة التي لا أظن أن أحدا سبق الرشيدي إليها وبهذا القدر من الجمال هي الصورة التالية للطعون التي "اقفت فرادى وجت متخاوية"، والتي توحي بشدة الألم من الطعنات".

عرفت مساعد الرشيدي في نهاية الثمانينيات، وترافقنا في فترة الغزو مع مجموعة من الزملاء، كان إنسانا جميلا مبتسما، تلك الابتسامة التي بقيت على ملامحه حتى آخر صورة له قبل رحيله. رحم الله الشاعر المتواضع المخلص لحبه ولقصيدته ولوطنه والصبر لمحبيه.