نجم فرّ بضوئه خلسة من عليائه في السماء ليقيم في الأرض، تاركاً هناك توأمه تمويها لنا، لنبقى على يقين بأنه لم يبارح حفلة النور كلما رفعنا بصرنا إلى أعلى وتفقدنا مكانه هناك، بينما هو هارب متخفٍ بيننا على الأرض، يختبئ حينا في ندى زهرة أو يصير ساعي شذاها، يحمل ما استطاع من عطرها ليوزعه على كل قلب يصادفه في طريقه، وحينا يصبح قنديل بحر، وكثيراً ما كان هو البحر، أو نهرا جاريا، أو يتشكل على هيئة جسد آدمي يعبر الشوارع، يختلط بالناس، يتقاسم معهم فناجين القهوة وأكواب الهم والأحلام، يدخل المعتقلات عنهم، وإمعاناً في تخفيه يفرح كالأطفال بخيط نور إذا ما تسرب من خلف القضبان، وكأنما هو ليس في الأصل نجم هارب من السماء، يعزز هذا التخفي أوراقه الرسمية التي تؤكد بشريته والمدوّن فيها أمام خانة الاسم: قاسم حداد!

بفضل لن أنساه ما حييت من الصديق عبدالله الفلاح التقيت هذا النجم المتخفي، بعد محاولات قام بها عبدالله على مدى عام أو ربما يزيد لم تثمر إلا عن مكالمتين هاتفيتين بيننا، لم تزدني تلك المكالمتان إلا تحرقا للقياه، فلم أملك زمام المزن في عيني حينما عانقته لما التقيته، فبعد أن استقبلنا أنا وبقية الأصدقاء بالأحضان، أجلسنا بجانبه، لم أكن لأتخيل يوماً أن أكون بهذا القرب من هذا الكبير، كنت أظنني قبل ذلك قد جربت إحساس أن تجلس في حضرة النور، اكتشفت حينها أنني لم أفعل ذلك من قبل قطّ، وكنت أظنني أعي جيدا معنى أن تتفيأ سماء ما، واكتشفت جهلي بذلك، كنت أحسبني أعرف تماما كيف يزداد جمال الكبار حين ينضحون بساطة تفوق بساطة البسطاء، لكن قاسم حداد أثبت لي قلة معرفتي بذلك، بسيط جدا كماء هذا الثري بالشعر والفكر، بساطة من نوع مختلف، صادقة وعميقة وآسرة، هذا العملاق الذي تكرمه أعرق المؤسسات والجهات الأدبية العالمية وتمنحه أعلى الأوسمة لأدبه، وتضعه في مصاف كبار الأدباء العالميين، يستمع لكلامنا الطفولي بإنصات ومحبة، وكأنما يريد أن يتعلم منّا نحن الذين ننصت لكتاباته من خلف ستار من الرهبة والهيبة، يتحدث معنا ويطرح القضايا الكبرى في الحياة والأدب بأبوّة حانية تلامس الفكر وشغاف القلب، يلقي دروسه العظمى علينا بجملٍ قصيرة تفي المعنى وتشعل فتيل تأمّل ومتعة لم يخبُ وهجهما حتى اللحظة، نظرته وحدها وهو يتحدث أو يستمع لها فعل السحر في القلب، وصوته العميق المليء بالدفء والمشاعر، ساعة من الزمن في حضرة هذا الوارف جداً، امتلأنا بخضرته حتى كره الجفاف قلوبنا، ولكنا لم نكتفِ، ونهلنا من نهره ولم نرتوِ، وتغذينا من زوّادة فكره ولم نشبع، إلا أن التزاماً آخر لديه وضع حدا لمدة اللقاء، لكنه فتح أبواب متعتنا على مصاريعها، ولم يغلقها، فاستأذننا بالرحيل، وودعنا بالأحضان كما استقبلنا، وبقي سؤال عالق في القلب لم يتسع الوقت له، كل النجوم تحترق حين تلامس الأرض وتفقد ضوءها، فكيف تمكّن هذا النجم من تهريب نوره معه وإخفائه تحت عباءة آدميته؟!
Ad