تميل قصائدك إلى الأفكار الصوفية. ما السبب؟

Ad

تأثرت كثيراً بالفلسفة والفكر الصوفيني، حيث الحلاج وابن العربي وجلال الدين الرومي، ولكن كانت لديّ أسئلة كثيرة حول هؤلاء الناس. بعد قراءة الرومي أحببت أن أجري حواراً بيني وبينه، وحاولت أن أجيب عن رسائله وقواعده، إيماناً مني بأن العشق الإلهي إن لم يتكلل بالعشق الإنساني والحياتي فلن يجُدي نفعاً. كان لديّ تصور بأني خلقت حالة في اللاوعي، تساءلت: هل كان جلال الدين الرومي يكتب لامرأة، وهل كان عاشقاً ولهاناً لهذه الدرجة؟ من هنا، تقمصت شخصية حبيبته واعتبرت أنه وجه رسائله إليّ، وأنا أرد عليه بعد 800 عام.

أثار ديوانك «رسائل إلى مولانا» حالة من الجدل ما بين مؤيد ومعارض، كيف ترين ذلك؟

أخذت هذه التجربة قدراً كبيراً من الجدل بين النقاد، ولكنني كنت أجرب ابتكار خط صوفي حديث يتلاءم مع هذا الزمن. اعترض البعض فيما أيدني آخرون على اعتبار أن من حقي صناعة خط صوفي حديث، أدعي من خلاله العشق الذي يربط الإنسان بالإنسان، فمن أحب الله سيحب مخلوقاته من دون شك. من هنا شعرت بأن في نصوصي كلها نسقاً صوفياً، خصوصاً عندما تعمقت في قراءة نصوص الصوفيين القدماء. أساساً، الصوفية تتمحور حول الرقص والعشق والسماء وهي خصائص موجودة في نصي، حيث تجدين الناي وحالات الحب القوية، لأن العاشق لا يمكن أن يعرف الجريمة والحقد والشر. من هنا، شعرت بأن ثمة رسالة لا بد من أن أوصلها من خلال قصائدي وهي دعوة إلى العشق وتنظيف النفس من رواسب الحياة المادية.

اتهُمت بكتابة الشعر «الجريء» وثمة من يرى أن المرأة تكتب بجرأة للفت الانتباه. ما تعليقك؟

ثمة من يعتبر بعض كتابات الرموز الصوفية «خارجة»، أي أن تتحدثي عن العشق والرقص في حضرة المحبوب، أو عن الشغف. من لا يفهم في الصوفية يعتبر هذه الدلالات جريئة. لا أجد نفسي إلا مخلوقة تعشق الله ومن خلال ذلك أعشق البشر كلهم. عموماً، طاولت قصائد الصوفيين اتهامات عدة، لا سيما ابن عربي وغيره.

نلحظ أن الشاعرات اللائي يكتبن الشعر الصوفي قليلات مقارنة بالرجال، فهل هو فن شعري ذكوري في المقام الأول؟

خاضت شاعرات كثيرات غمار الشعر الصوفي، لكن في العصر الحديث أعتقد أنهن قليلات، وإن كتبن في الشعر الصوفي فهو عشق إلهي صرف. هن مقلدات للمتصوفة الأقدم، ولا أعرف إذا كان ثمة كثيرات ممن تحدثن في الشعر الصوفي الحديث.

العزلة وتاء الغواية

نلحظ عدم اندماجك في الحياة الثقافية لبنانياً أو عربياً، فحضورك قليل رغم إنتاجك الأدبي وهو ما وصفه البعض بالغرور.

أميل إلى العزلة وإن فرضت عليّ الحياة أن أخوض غمار المجتمع بحذافيره كافة. عندما قررت أن أتفرغ لأكتب شعرت بأنني بعيدة عن مغريات الحياة، لذا يقول البعض إنني شبه منعزلة ولا أحب الحياة الاجتماعية، ولكن هذا أمر غير صحيح. لي أصدقاء وأنا محبة للآخرين ولكن يتبقى طبعي وهو المكوث مع الذات. لا أحب المنابر، وأشعر بأني أكتب شعراً فلسفياً وليس منبرياً أو غنائياً. جملتي ليست سهلة، والمتلقي يحتاج إلى أن يحللها بالتفكير فضلاً عن السمع. لذا أشعر بأن المهرجانات لن توصل فكرتي، ومن هنا أفضل أن يقرأني الآخرون لا أن يستمعوا إليّ.

صرحت بأن ديوانك «آدم وتاء الغواية» يمثّل حالة هذيان على قمم العشق الحاضر في النفس التائهة عن الآخر. ماذا تقصدين بالآخر؟

هو كل ما حولنا، فنحن البشر نولد بفعل الحب، نولد أنقياء لا نعرف الضغينة أو الشر، وعندما نصطدم بالحياة والواقع المعاش تجذبنا الحياة رغماً عنا إلى انفعالات، وثمة من يدخل في الشرور والتيه ولعبة الحياة المادية، وهذا يؤثر في تكويننا البريء. لذا أهرب إلى القمم حيث أعيش، وأناجي الناس أن يعودوا إلى البراءة الأولى والحب النقي.

وصفك الأب «أنطوان ضو» بشاعرة الحياة في أبعادها وهمومها ومعاناتها وتطلعاتها وروحانياتها. ما رأيك؟

تطرقت بقصائدي إلى الحياة الدنيوية والدينية من خلفية لاهوتية، ومن أسئلة استهجان لهذا الشر الذي يفيض على الكرة الأرضية، فكنت عند كل ألم أشعر برغبة في الكتابة. ولما كانت أوجاع الحياة كثيرة فكان محرابي الشعر، وتصديت للواقع به من خلال الدعوة إلى الجمال والحياة والإنسانية.

جمعك بين قصيدة الحداثة والتفعيلة في ديوان واحد، هل هو نوع من استعراض المهارة؟

ستفاجئين إذا قلت لك إني أكتب خارج الوعي، بمعنى أن الكتابة ليست صنعة ولكنها إسقاط اللاوعي، لدرجة أني بعد إنهاء قصيدتي أشعر بنوع من الغرابة، وأتساءل: كيف كتبت هذا؟ لا أستطيع أن أعود إلى قصيدتي كي أعيد فيها جملة ما، بل أتركها على عذريتها وكما شاء الله أن تسقط من قلبي على الورق. لا أعتمد الأساليب الشعرية، هي تأتي كما تشاء، ليست لعبة. أدوّن النص أحياناً من دون أن أعي ما أكتب، وأعرف أن كثيراً من الشعراء يكتبون وهم لا يدركون من أين جاء هذا النص.

كيف تتجلى صورة المشهد الثقافي اللبناني؟

مشهد نهضوي. مثلاً شارع الحمراء الذي يرتاده معظم المثقفين، قلما يمرّ يوم فيه من دون أمسيات شعرية أو ندوات ومسرحيات ومعارض تشكيلية، ذلك رغم مصاعب الحياة الكثيرة في هذا البلد لأن المتنفس الوحيد هو الثقافة، ورغم وجود إشكاليات الحياة الثقافية ثمة ردة إلى الشعر والمسرح.

الولوج متأخراً

ولجت الشاعرة سناء البنا الحياة الأدبية في لبنان بعدما قطعت شوطاً كبيراً في مسيرتها العملية، وحسبما تقول: «في بداية حياتي كنت منهمكة بالعمل وأخذتني حياتي العملية بعيداً عن الشعر لفترة طويلة، ولكني أحياناً كلما وجدت نفسي بحاجة إلى الجلوس مع نفسي أمسك تلقائياً الورقة والقلم وأكتب»، وتضيف: «كانت الكتابة نوعاً من الإسقاط النفسي، حلاً لكثير من الأزمات. كنت أعتبرها نوعاً من الحوار مع الذات، إلى أن اكتشفت أن هذه النصوص التي أكتبها ليست مذكرات أو خواطر ولكنها عبارة عن أسئلة فيها فلسفة وبعُد وجداني. وشاءت المصادفات لقائي بشعراء من خلال ناد أسسته، وعرضت كتاباتي ووجدت إشادة بها ومن هنا بدأت فكرة النشر تراودني. ولكن عملي في السياحة وبالتعليم كأستاذة محاسبة ومالية في الجامعة استحوذ وقتي، ولم يكن لدي فراغ. ولما كنت أعتبر أن النشر مسؤولية كبيرة وأريد أن أعطي إنتاجاً لائقاً، فكنت أحتاج إلى التفرغ له. ومع ازدحام الحياة لم أكن لأعطي إنتاجاً لائقاً، فكنت أمزق نصوصاً كثيرة، في ديواني الأول «آدم وتاء الغواية» جمعت كتاباتي من فترة المراهقة حتى عام 2000، واخترت منها نصوصاً تصلح للنشر وتبتعد عن الذاتية. ومن هنا بدأت فكرة النشر، واليوم أصبح لدي ديوانان «آدم وتاء الغواية» و{رسائل إلى مولانا»، فضلاً عن ثلاث مجموعات شعرية أنشرها قريبا إن شاء الله».