يقول علماء الاجتماع، إن البشرية ومن خلال تاريخها الطويل مرت بعصور عدة، منها العصر الأسطوري والعصر الديني والعصر العلمي. وأمام هذا الرأي الصادر عن هؤلاء العلماء ندرك أننا نعيش في العصر العلمي، لقد كان العصر الأسطوري هو أول هذه العصور، وهو عصر مرتبط بالخرافات وله ارتباط بعالم تعدد الآلهة، أي أنه عصر التحليق في ملكوت الخيال الواسع، أما العصر الديني، فهو عصر الروحانيات وعصر اتصال الإنسان بالسماء، إذ رجع فيه الإنسان إلى خالقه، بينما العصر العلمي عصر الأرقام والحسابات والوثائق وعصر الاختراعات وعصر الابتكارات العلمية، أي أنه عصر المادة وعصر التصاق الإنسان بالأرض.

Ad

إن تهافت إنسان هذا العصر على الماديات والتجريب العلمي، وكل ما هو نفعي وملتصق بالواقع قد يؤدي فيما بعد - وقد لا يطول انتظار ذلك الوقت - إلى عودة الإنسان إلى الروح واللجوء إلى الأمور الوجدانية، لأنه أصبح كالخواء، إن لم يكن الخواء نفسه هو المسيطر عليه، إنسان هذا العصر وخاصة المتمدن المتطور المتعلق بعجلة الإنتاج والتنمية، لابد له من الاحتياج للراحة، والاسترخاء النفسي من عناء هذا السعار المادي اللاهث وراء كل شيء نفعي، ومتعلق بكل مسألة إجرائية ذات طابع تجريبي بحت، ولكي يعود الإنسان إلى إنسانيته لابد من ضرورة المناداة بالرجوع إلى المطالبة بالعودة إلى التصوف الروحي لا التصوف الديني - حتى لا يساء فهمي في هذا المجال - لأن الوجدان البشري قد أحس بثقل وضراوة عجلة الإنتاج والتنمية عليه، ولابد له من الاسترخاء النفسي في ظل المسائل اللانفعية من علم الأخلاق وعلم الجمال وشعر إنساني يبتعد بصاحبه عن الماديات وكل ما له ارتباط بالبراغماتية التي عكست شراسة الإنسان مع نفسه ومع أخيه في هذا العصر.

إن هذا الشعور بالتشفي والإحساس بالمتاهة، وهو ما يمكن أن يفسر عودة الكثير إلى التمسك بتعاليم الدين، ليس على مستوى المجتمع الإسلامي فحسب، بل على مستوى العالم من حولنا على اختلاف أجناسه، فهذه العودة إلى الروحانيات جاءت كردة فعل على هذا السعار المادي الواضح، وذلك لخلق حالة من التوافق بين سرعة عجلة الإنتاج وتوق النفس البشرية إلى ضرورة التمسك بالأخلاق، وكل ما هو خيالي ووجداني، وحرص على تحقيق مثاليات الجمال الروحي بعيداً عن هذا الجنون المادي المتسارع الذي اكتسح العالم من أقصاه إلى أقصاه.

والشعر من أهم هذه الجوانب الروحية، التي ظل الإنسان حريصاً عليه رغم تهافت إنسان هذا العصر على الماديات. وهنا يجدر بنا ضرورة التفريق بين أهم عاملين يتجاذبان الشعر، وهما عامل الوصف وعامل التعبير.

النصوص الشعرية التي تعتمد على الجانب الوصفي لجسد المرأة، تعتبر نصوص قليلة الشاعرية، إن لم تكن بعيدة عن عالم الشعر المأمول، لأنها نابعة عن حديث خارجي عن المشاعر، وليست حديثاً داخلياً عنها، وذلك أن الحديث الداخلي هو التعبير، وبمعنى أشد توضيحاً أن هؤلاء الشعراء الوصفيون لم يمزجوا بين متعة الإحساس ولذة الاستمتاع بالمشهد، وهم هنا أعلوا من الجانب المادي في العاطفة وأهملوا عامل الروح فيها، وهو الحب، وذلك أن الروح تميل إلى الخير والمادة تميل إلى الشر، فالملائكة مخلوقات روحية لا تعرف إلا الخير، بينما الجن مخلوقات مادية، بالرغم من أنها مخلوقة من نار أي من طاقة، لذا فهي تميل إلى الشر، والإنسان مزيج بين الاثنين فإن كان الإنسان روحانياً مثالياً أخلاقياً، ارتفعت به هذه القيم إلى الأعلى، وإن كان شهوانياً مادياً التصق بالأرض، وقد أشاد إلى هذه الإشكالية الجدلية النفسية العالم المسلم الجليل ابن القيم - رحمه الله- وهذا متوافق مع قوله تعالى في سورة الأعراف (175-176)، إذ يقول سبحانه وتعالى: <واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه>.

هذا الحديث عن جانب الروح في الحب، وعن جانب التعبير في الشعر، يصبان في نهر واحد، لهذا فالسذاجة في الشعر مطلوبة، بل أمر ملح في بعض الأحيان، ولا أعني بالسذاجة الغباء كما يتبادر إلى الذهن السطحي من خلال الانسياق المباشر وراء هذا المسمى، وإنما أعني به الطيبة، لأن هذه الطيبة تكون انعكاساً للحب الحقيقي الصادق التي تكون غالبة على طباع المحبين المنغمسين في الحب، وضمن هذا السباق تقول كلمات أغنية مشهورة للمطربة المصرية أنغام:

هات قلبي

وهات قلبه، هاته

يابو قلب حياتي بدقاته

الحب دا عقد من الياسمين

وقلوب العشاق حياته

صدق اللي يحب بايامنا

طيب، وكمان على نياته

فهذه الحالة الموجودة في كلمات هذه الأغنية أشبه ما تكون بالشعرة الخفيفة والخفية التي ندركها في بعض الأحيان، ولا نكاد نراها بشكل واضح وجلي دائماً.