أصدقاء الشاعر وليد جمعة هم «الأعدقاء»، ففي قاماتهم تتبارى العداوة والصداقة في تسجيل الأهداف، وهم مادّة دسمة لقصيدة، لأنهم يدفعون الروح إلى أقصى غربتها: «طالبوني بقصيدة / مالذي نكتبه عن غربة الروح؟ / اقترحت الأصدقاء». وهؤلاء «الأعدقاء» أحرجوا الشاعر، فمحا أسماءهم وأسلمها لدفتر النسيان، وألبَسَهم أشكال الحيوانات، وقد يكون أكثر ما يؤلمه في بعضهم أنهم تنازلوا عن وجودهم الحقيقي وعن تاريخهم الذي لم يكن يوقظ في أيامه الرغبة في تسلّق الكراسي: «بعضهم في موقع الجرذ،/ وبعض آخر في موقع الخنزير/... وبعضهم تنفذ الروح احترازاً أو عصاباً/ والبقايا... زعماء».

ويستمر جمعة مسكوناً بوجع الوطن الذي هاجر قبل أهله، حين حنجرة الحادي محشوّة تعباً، وحين القمر المنسوج على نول رغبة نجدية لا يدرك سماءه بسهولة: «يهاجر الوطن/ الآن ينشغل الحادي بحنجرة/ تعبى وأغنية/ ما ثمر يبدو مطلعه نجد...» ووطن جمعة ولد من أولاده، يجافيه النوم بعد منتصف الليل ويخاطبه الشاعر بحرقة وهو أسير مرآة الذاكرة والحاضر: «في الليل/ في آخر ساعات الليل/ أستنفر ذاكرة الوطن النذل/ أقول له في المرآة:/ تدبّر أمرك يا ولدي/ فلكم أصبحت نحيفاً هذي الأيام»...

Ad

وطالما أن الفرح بالنسبة إلى جمعة لا يطلع إلا من رحم الوطن وجد نفسه مدمناً أحزانه، للموت وشم على وجهه، وفي يده ورقة نعيه التي أهدته إيّاها القابلة لحظة قابل الحياة وجهاً لوجه: «ملثّم بالموت/ عندي مراسيم لدفني من يد القابلة»... والحزن الصحيح النّسب إلى أرض الألم هو أثمن بكثير من الفرح الملتبس الذي يحرمه الشاعر متعة النظر بعدائية مَن لا يتنازل للابتسامة عن دمعة: «أنا الذي لا أحذق القهقهة/ أفقأ عين الفرح المشبوه إذ يعتلي/ برج مناخاتي ويعتادها»... وعلى درب المقبرة يجرّ الرفاق غير المرغوب فيهم الشاعر القافز عن شرفة الحياة، الحامل حين موته همّ إيجاد مساحة متواضعة من التراب العراقي: «سبعة أشخاص يجرّونني/ سبعتهم بالرغم مني رفاق! -/ لكنني تعوزني حفرة/ في أيّما مقبرة في العراق».

ومن نص إلى آخر يتجلى جمعة إنساناً رؤيوياً، يدفع ثمن عينيه اللتين تريان إلى الأبعد لأن جناحيه يحلّقان في الأعلى، فهو المنفق عمراً تحت سماء نضال قاسية، والمعتمر فجيعته: «حيث العقل يقتصّ من الرؤيا»، وحيث تسقط أحلام الرؤيويين تحت أقدام القطيع المؤلِّه غريزته: «ها أنا أسمع صرخات القطيع الباهتة»...

قاموس قاسٍ

ولجمعة قاموس قاسٍ، استمدّه من معاناته الطويلة، وأسماء علم كثيرة لأناس وأماكن تشكّل جغرافيته الروحية المهشمة، وقصيدة «تساؤلات غير مشروعة» خير مثال على ذلك. وما يشعر جمعة بسواد الفجيعة الدائمة هو انقلاب الثوار على أنفسهم، فحملة مشاعل الغد انهزموا على مفارق الليل الغابر: «شفْتُ ثوريين لا همّ لهم غير أذى الناس/ قياديين من بين أخسّ الناس/ ناساً لم يكونوا أبداً كالناس/ ضبع يعظ الناس»... وتحت وطأة الوقت المزوّر، ينتظر الشاعر نهاية النهار المظلم لانبلاج الليل المضيء: «ومتى ينبلج الليل ويسودّ النهار؟»، إلا أن الانتظار ساديّ حتى العظم، ويلتف حول أعناق المنتظرين حبال مشانق: «وعلام الانتظار؟/ والخيارات رقيقة/ كالمشانق؟».

وعلى امتداد غروبه النحيف تتنقّل ظلال جمعة بين مفرداته محاصرة بشمس الخيبة ذات الذهب الحزين، فحين ينحف الغروب تكون ساعة الذاكرة قد أتت ويكون ذبحها شكلاً فائق الأذى من أشكال الانتحار: «في الغروب النحيف/ نذبح الذاكرة/ هكذا تتخفّى – إذن- شهوة الانتحار»، ويكون الموت حصاناً يهرِّب الموتى على ظهره من الموت، قافزاً فوق سطوح المقابر: «في الغروب النحيف/ على قلقٍ/ كما المتنبي/ أقطع المقبرة».

وكثيراً ما يغمز جمعة من قناة حملة الأقلام مثقفين وشعراء وصحافيين، ويراهم مديرين ظهور أقلامهم للحقيقة الصعبة، مستقيلين من همّ النضال لأجل معنى نبيل: «في الغروب النحيف/ يبرك الشاعر العربي في مطبخ/ - لم يكن يألف المكتبة -/ ويسكب في دفتر أنثوي عصارة بطنه».

والموت عند الشاعر حالة تعاش على امتداد الحياة، عندما لم يعد من شفيع للمعاني، ومن فاتح باب لحقيقة تطرق بيد مدمّاة. هذا الموت الجمعويّ لا ينهيه سوى الموت بالمعنى الكلاسيكي، وإلا سيبقى الخطو إلى الأمام معادلاً للخطو إلى الوراء، مثلما سيبقى الالتباس معنى واحداً تحتضنه الخيارات كلها: «في الغروب النحيف/ خطوة... خطوتان... خمسون ألف/ إلى الخلف - لا فرق - أو للأمام/ يستوي الأمر بين هذا وذاك/ وتدوخ الخيارات في زمن كالتويتة/ كالكركون في ثياب كناريّ»...

ويعلن جمعة في غروبه النحيف حكايته مع الحياة شذراتٍ شذراتٍ، إذا ما جُمِعت تشكّل ملامحه، وتقول الكثير من وجهه ومن قلبه المجروح بالوطن، والجرح تخطى قامته ليستوطن قامة النخيل، فترتدي نخلة جمعة فستان حزنها الطويل ويقف هو في فيئها يحاول عبثاً سكب القليل من ماء الفرح على جذعها: «في الغروب النحيف/ تصفن النخلة العجوز/ على السطح/ ساهمة – لا تريم/ فكيف... فكيف نداعبها/ ونردّ السرور إليها؟».

الأصدقاء... الوطن البديل
لا يكتفي جمعة برثاء نفسه وبرثاء وطنه، إنما هو يرثي الأصدقاء القليلين أيضاً، وهم الوطن البديل حين لا تعود الجغرافية تتسع لنوم ويقظة وحلم، فها هو «عادل وصفي» الصديق، طريدة يعزف الرصاص على أوتار حياتها، يدفع ثمن أحلامه المستحيلة: «ما كان له العمر الذي يسمح بالأوهام– قد كان له ثمة أحلام عن الآتي– ولم يلق براعم النهايات السعيدة». ووصفي رجل تملأه الحياة وفي أغصان روحه براعم لها كثيرة، إلا أن الجلاد لف سوطه على عنق الروح وبأظفاره ثقب فرح الابتسامة: «قبض الجلاد روحاً عذبة النبض ووجهاً دائم البسمة كالطفل... وأهدى فرحة الطاغي يتماً والمشاوير أذى»...

كتب جمعة بحبر ملتزم عقائدياً وعاطفياً. كتب وطنه طريدة، وشعبه طرائد. ومضى، تاركاً قصيدته خضراء، يشرق في دمعة قافيتها قمر على أهبة الوصول إلى ليل العراق.