مرحلة المراهقة صعبة بالنسبة إلى الأولاد لأنهم ينهون فترة الطفولة ويتّجهون نحو سن الرشد، مواجهين في الوقت نفسه مصاعب وتقلبات ومخاوف كثيرة تطبع هذه الفترة. لكن لا تقتصر الشكوك والمخاوف على الأولاد، إذ يشاهد الأهالي أولادهم يتغيّرون أمام أنظارهم من دون أن يتمكنوا من التدخل لردعهم.لا يمكن أن تمرّ المراهقة بلا صدامات. يحاول المراهق أن يستقلّ بدرجة معينة عن أهله والراشدين عموماً. لا يريد أن يعتبره أحد طفلاً ويسهل أن يترسّخ في داخله انعدام الأمان. خلال الطفولة، يرضخ الأولاد عموماً لأوامر أهلهم. قد يحتجّون أحياناً لكنهم لا يذهبون إلى حدّ التشكيك بسلطتهم كما يفعل المراهقون الذين يشكّل التشكيك بدور الأهل لديهم جزءاً من حاجتهم إلى الانفصال عن طفولتهم تمهيداً لدخولهم مرحلة الرشد. قد تخيف هذه النزعة الأهل فيشعرون بأنهم يفقدون السيطرة على أولادهم!
1 أهمية الثقة المتبادلة
ماذا لو لم تكن مراهقة أبنائنا عائقاً في حياتنا، بل فرصة لاستعادة حماستنا المفقودة وتجديد رغبتنا في تحقيق المشاريع؟ ماذا لو تمكّن الأهالي والأبناء من تبادل التشجيع وعيش هذه المرحلة بكل ثقة؟ من خلال تقاسم الأفكار والتجارب والمعارف، يمكن التعامل مع مظاهر هذا العصر: الطقوس الانتقالية، ألعاب الفيديو، الأدوية النفسية، الحياة الجنسية، الضغوط المدرسية، التوجيه المهني... يمكن اللجوء إلى طرائق عدة لتحسين العلاقة مع المراهقين وتجنّب الضغوط المشتقة من سوء التفاهم المتبادل وإقامة تحالف عميق بين الطرفين. يجب أن يفهم الأهالي حقيقة هذه المرحلة في حياة أولادهم ويدركوا أنها فترة انتقالية في حياتهم أيضاً وفرصة لإطلاق بداية جديدة وإعطاء معنى لحياة المراهقين ولدعم مشاريعهم وتجديد حياتهم الخاصة وتنفيذ خططهم. إنها رسالة إيجابية وطريقة فاعلة كي يستعيد الأهل الطاقة والثقة بالمستقبل ويتمكنوا من مرافقة أبنائهم ومساعدتهم على كسب استقلالية آمنة.2 أسوأ وأفضل عمر
مرحلة المراهقة مرادفة للعواطف التي تبحث عن معناها، لكنها قد تضيع أحياناً. يشعر المراهق بأنه يغادر قفصاً ذهبياً مليئاً بالحنان والراحة كي يدخل في عالم الراشدين، حيث يضطر إلى العمل ويصطدم بالواقع ويتعرّف إلى مصادر السعادة ومشاعر الكره. في عمر الخامسة عشرة، لا يعود المراهق طفلاً ولا يصبح راشداً فيجد نفسه في مرحلة انتقالية بين قفص ذهبي ومستقبل مجهول، ويحاول الهرب من الماضي باحثاً عن المستقبل. تصبح المراهقة حينها مرحلة وجودية تتأجّج خلالها التساؤلات. يبحث المراهق عن حياته وعن ذاته في هذه الفترة لكنه يخفق في مساعيه.في بعض الحالات، تكون المراهقة أجمل مرحلة في الحياة أو {أفضل وأسوأ فترة في آن}. لكن في حالات أخرى، تصبح مرادفة للوحدة والملل والعزلة أو العنف وتعاطي الممنوعات، إذ يرغب المراهق في تجاوز الحدود فيما لا يفهم الراشدون من حوله التغيرات التي يخوضها.3 إنشاء رابط جديد
يمرّ المراهق بمراحل عدة ويخوض علاقات جديدة مع والديه كي يشعر بالتحرّر. لذا يجبّ أن يتطوّر رابط جديد مع الأهل ليتمكّن الابن من كسب استقلاليته. أما إذا لم تنشأ مساحة فاصلة بين الطرفين فلن يشعر المراهق بالراحة. في هذا المجال، يتحدث التحليل النفسي عن إعادة تنشيط عقدة أوديب حيث يضطلع الأهل بدور مهم.يعيش المراهق في هذه الفترة تناقضاً شديداً لأنه يحتاج إلى دعم مادي واجتماعي وعاطفي من عائلته، لكنه يريد في الوقت نفسه توسيع هامش مناوراته وكسب حرية إضافية. لذا يضطر دوماً إلى العودة إلى أشخاصٍ يريد الانفصال عنهم. كذلك يريد من والديه ومعلّميه وجميع الراشدين المحيطين به تقدير قيمته الحقيقية والإصغاء إليه واعتباره أهلاً للثقة، ويحتاج أيضاً إلى السلطة والحدود والأمان ليتمكن من بناء مقاربته الخاصة حين يبلغ سن الرشد، وكي يتعرّف إلى نفسه ويتحكم بانفعالاته وعواطفه وقدراته الجديدة، ما يسمح له بالمضي قدماً نحو مرحلة الرشد المرتقبة.4 خطوات أساسية
تشكّل الصراعات والضغوط وحتى مظاهر العنف جزءاً من المشاكل التقليدية بين الشباب وأهاليهم، وهو وضع لا يجيد بعض الراشدين التعامل معه. كيف يمكن تلبية حاجات المراهقين ومرافقتهم بأفضل طريقة ممكنة في هذه المرحلة التي تشهد تقلبات داخلية عميقة؟خلال هذه الفترة، من الطبيعي أن يسعى المراهق إلى التأكد من قناعات أهله وأفكارهم حول مفهوم السلطة، لذا لا يتردّد في اختبارها بنفسه.5 صرامة وليونة
عملياً، يحتاج المراهق إلى الصرامة والليونة في الوقت نفسه. حين ينشأ صراع لسبب معيّن، يجب أن يحرص الوالدان على سماع ابنهما وإعادة صياغة كلامه واكتشاف الهدف منه، ولا بد من وضع قواعد ثابتة للتعامل مع جميع الضغوط المرتقبة. إذا تجاوز المراهق تلك القواعد، لا مفر من معاقبته. يجب أن يتحكّم الأهل بالموقف بأسلوب صارم وهادئ. وكلما كانوا واثقين من قرارهم، سيفهم المراهق القواعد ويحترمها.في المقابل لا بد من تجنب المواقف التالية:• السيطرة المفرطة.• روابط القوة.• اعتبار المراهق شخصاً راشداً في مرحلة مبكرة.• إطلاق الأحكام عليه.• السخرية منه.• عدم الالتزام بالوعود.• التصرّف بشكل غير عادل.6 بانتظار دعم حقيقي
يحتاج المراهق إلى دعم والديه في هذه المرحلة الصعبة من حياته أكثر من أي وقت مضى حتى لو لم يعبّر عن ذلك مباشرةً. لذا من واجب الوالدين تشجعيه على اكتشاف هويته تزامناً مع متابعة الاهتمام بشؤونه. تتعدد الخطوات التي تسمح بأداء هذا الدور المحوري، وأبرزها:• تحديد مواضيع الصراعات المتكررة وتوضيح القواعد لتجنب تجدّد الخلاف حول المسائل نفسها.• الاستعداد الدائم لإقامة حوار بنّاء.• التنبه إلى أسلوب الكلام مع المراهق وتقديم الاقتراحات بدل إصدار الأوامر.• رسم الحدود بوضوح.• تشجيع المراهق على كسب استقلاليته عبر تحميله مسؤوليات تناسب عمره.• التعبير عن المشاعر والحب تجاه المراهق وتقديم الدعم له.7 نصائح الخبراء
نستفيد من نصائح علماء النفس أو المعالجين النفسيين المتخصصين بالأولاد أو بالشؤون العائلية لمرافقة المراهق في حياته اليومية بأفضل طريقة ممكنة. يمكن اختصار أبرز التوصيات بثماني نقاط:• رسم حدود واضحة: ينتظر المراهق من والديه رد فعل على تجاوزاته واستفزازاته. يجب أن يتحركا في المواقف المناسبة كي يفهم المراهق الخطوط الحمراء التي لا يستطيع تجاوزها.• فهم مواقفه: يميل المراهق إلى أخذ المجازفات وتجاوز المحظورات. لكسب استقلاليته، يجب أن يمرّ باختبارات عدة ويستكشف جوانب الحياة ويستعمل موارده الجسدية والروحية.• الإصغاء إليه مع الحفاظ على موقف صارم: يجب أن يمنع الأهل بعض التصرفات ويتمسكوا بموقفهم رغم نوبات الغضب والرفض ويدافعوا عن رأيهم بأسلوب قوي ومتماسك. لكن يجب ألا يمتنعوا عن سماع ابنهم لأن الإصغاء إلى تبريراته لا يعني موافقته الرأي بالضرورة.• التخلي عن المثالية: يستحيل أن يكون الأهل مثاليين. إذا لم يدركوا دورهم بطريقة واقعية، قد يبالغون في صرامتهم. يرتكب الأهل الأخطاء حين يحاولون التكيّف مع الوضع الجديد، ومن الأفضل أن يعترفوا بأخطائهم أمام أبنائهم في هذه الحالة ويخبروهم بأنهم يبذلون قصارى جهدهم ولا ينجحون دوماً.• احترام خصوصيته: من حق المراهق الحفاظ على خصوصيته!• التركيز على الاختلاف بين الأجيال: يسعى المراهق إلى التميّز ويسهل أن يوجّه الانتقادات إلى المحيطين به. لا يكون أهله من جيله لذا يجب أن يفهموه هذا الواقع ويثبتوه له.• إثبات الحب: يجب أن يعاقَب الشاب الذي يسيء التصرف لكن من دون أن يشعر بأنه منبوذ. لذا لا بد من مراعاة مشاعره والتحاور معه باستمرار.• مرحلة عابرة: في 80 % من الحالات، تمرّ أزمة المراهقة من دون مشاكل ويتعرّض 20 % من المراهقين فقط لاضطرابات كبرى.8 الإحاطة بالمراهق
يجب أن يحيط الأهالي أولادهم المراهقين في جميع الظروف لكنهم قد يبالغون أحياناً في صرامتهم ويطلبون منهم أموراً تفوق قدراتهم. قد يأمرونهم مثلاً بالعودة إلى المنزل قبل ساعتين من عودة المراهقين الآخرين في عمرهم. يحمل الأهالي نوايا حسنة لكنهم يُشعِرون المراهق بأنهم لا يفهمونه. يستمر الصراع عبر وسائل يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة. يفضّل نوع آخر من الأهالي التساهل مع أولادهم على اعتبار أن المراهق يجب أن يكتشف الحياة ويستخلص منها الدروس بنفسه. لكن سيشعر الابن حينها بأن والديه لا يهتمان بأمره، فبحسب الدراسات يحتاج المراهق إلى إحاطة مدروسة كي يقتنع بأن والديه لم يتخليا عنه. سيبحث دوماً عن هذا الأمان الداخلي حتى لو لم يعترف بذلك. لذا يجب أن يفرض الأهل بعض المعايير الثابتة في هذا الإطار تزامناً مع تقليص المواقف السلبية.9 أهمية طلب المساعدة
إذا استمرت المشاكل وزادت حدّتها رغم هذه الخطوات كلها، يجب ألا يتردد الأهل في طلب مساعدة خارجية. يمكن الاستفادة من إيجاد وسيط بين المراهق ووالديه لمساعدتهم على إقامة حوار فاعل. في هذه الأوقات الصعبة، يجب أن يجد الوالدان شخصاً داعماً لهما لمقاربة المواقف بموضوعية وتفسير مظاهر العنف التي يمكن أن تنشأ بين الطرفين (قد تكون مؤشراً على معاناة حقيقية!) وتجديد حوار لائق بينهما. إذا لم يجد الأهل ذلك الوسيط، يمكن أن يلجأوا إلى طبيب نفسي. المهم ألا ينقطع الحوار لأي سبب!10 الحفاظ على تواصل يومي
يجب أن يتابع الأهل والمراهقون الحوار بأسلوب محترم: يمكن أن يتساءل الأهل عن مسار يوم ابنهم، ويهتموا بمشاريعه وأذواقه ورفاقه، مركزين على نجاحاته ومشاكله، ويعترفوا شفهياً أمامه بمزاياه ونقاط قوته، محافظين على مظاهر الحنان تزامناً مع تجنب الحميمية المفرطة أو التدخل المزعج، ويحاولوا دوماً فهم وجهة نظره.يجب أن يفهموا أيضاً أن المراهق، رغم انفعالاته وتهوّره، يحتاج إلى حدود واضحة ومواقف صارمة من والديه، ويجب أن يشعر بأنهما مستعدان دوماً لسماعه. سيشعر بالاطمئنان حين يفهم تلك الحدود وسيمتنع عن السلوكيات السيئة ويتمكن في النهاية من عيش حياة سليمة ومتوازنة. ولا ننسى أن رغباته لا تعبّر بالضرورة عن حاجاته الحقيقية!نريد جميعاً أن يصبح أولادنا المراهقون راشدين مستقلين ومسؤولين. لمرافقتهم بأفضل طريقة، يجب أن يتعلموا تحمّل مسؤولية أفعالهم اليومية وخياراتهم في الحياة. لكن لتحقيق هذه الغاية، لا بد من استعمال أسلوب الحب والتماسك والثبات والصبر تزامناً مع الحفاظ على رؤية إيجابية وحذرة.